الصفحة 25 من 34

العلم، بل يعدُّ مرحلة راقية، وإضافة نوعية في علم أصول الفقه؛ إذ كان تركيز السابقين عنه على المسائل اللُّغوية ومباحث الألفاظ والمعاني والعلل، فارتقى بها الإمام الشاطبي إلى استجلاء مقاصد الشريعة الإسلامية، وليكمل الشطر الثاني من علم أصول الفقه، وهي المقاصد التشريعية، فاهتم بأسرار الشريعة ومقاصدها (من جهة وضع الشريعة ابتداءً، ووضع الشريعة للإفهام، ووضع الشريعة للتكليف، ووضع الشريعة للامتثال) ، كما وضع منهجًا لاستقراء طرق معرفة المقاصد، أو طرق الكشف عنها، والاستقراء هو استخلاص القواعد من الأحكام الجزئية.

وهو بتعريف الدكتور سعد الدين العثماني:"صياغة قاعدة عامة من تتبع حالات جزئية كثيرة، أو تجميع أدلة جزئية متعددة لا يقوى أي منها على إفادة القطع"؛ (من مقال لمجلة"الفيصل"السعودية عدد 123) .

وقد ذكر الدكتور عبدالله دراز، في مقدمة كتاب"الموافقات"، أن لاستنباطِ أحكام الشريعة ركنين:

أحدهما: علم لسان العرب.

وثانيهما: علم أسرار الشريعة ومقاصدها.

فقال:"وقد وقف هذا الفن منذ القرن الخامس عند حدود ما تكوَّن منه في مباحث الشطر الأول، وما تجدَّد من الكتب بعد ذلك دائرٌ بين تلخيص وشرح ووضع له في قوالب مختلفة، وهكذا بقي علم الأصول فاقدًا قسمًا عظيمًا، هو شطر العلم الباحث عن أحد ركنَيْه، حتى هيَّأ الله - سبحانه وتعالى - أبا إسحاق الشاطبي في القرن الثامن الهجري، لتدارك هذا النقص وإنشاء هذه العمارة الكبرى في هذا الفراغ المترامي الأطراف في نواحي هذا العلم الجليل"؛ (مقدمة الشارح للموافقات) .

وقد توسَّع الإمام الشاطبي في مقاصد الشريعة بعد أن كانت مغمورة يشار إليها في مباحث العلة في القياس، أو كانت"خبايا في بعض مسائل أصول الفقه، أو في مغمور أبوابها المهجورة ... ترسب في أواخر كتب الأصول، ولا يصل إليها المؤلفون إلا عن سآمة ... فبقيت ضئيلة ومنسية"؛ (ابن عاشور، مقاصد الشريعة، المقدمة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت