وقد انتقل بها الإمام الشاطبي من الخبايا والإشارة، إلى الصدارة والعمارة والتأسيس، وأخرج الاجتهاد من مضايق قواعد اللغة و"العلل"الجزئية، إلى متسعات المقاصد الرحبة، بعد أن جمد العلماء على الموروث، متمسكين به، منخرطين في منهجه؛ مما أفرز توجهًا ضيقًا جمد على الفروع والمناحي الفردية، فكان الشاطبي - رحمه الله - علامةً مضيئة في تاريخ الاجتهاد، فمثَّل بجهده التجديدي إضافةً نوعية كانت فتحًا من الفتوحات المهمة في علم أصول الفقه، وقد ارتقى به من الجانب النظري إلى التأسيس"لفقه التنزيل"، خاصة من خلال طرح مسائل تحقيق المناط واعتبار مآلات الأفعال واعتبار المقاصد.
يقول الإمام الشاطبي:
"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعالُ موافقةً أو مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك العمل"؛ (الموافقات) .
ويقول الدكتور حسن حنفي في حديثه عن الشاطبي:
"فإذا ما تَمَّت تنقية مقاصد الوحي، وتحويلها إلى مقاصد المكلف، أمكن أن يصبح الوحي نظامًا مثاليًّا للعلم من خلال فعل المكلَّف، وبالتالي تحقيق خلافة الله في الأرض من خلال المكلف، وعلى هذا النحو يكون علم أصول الفقه هو علم (التنزيل) الذي يستنبط الأحكام الشرعية ويتجه من الله إلى الإنسان، وفي هذه الحالة يكون علم أصول الفقه هو العلم الذي يعطي للمسلمين ما يحتاجون إليه في عالَمِهم هذا وفي عصرهم هذا"؛ (حسن حنفي، دراسات إسلامية) .
وهكذا كان للإمام الشاطبي أثرٌ ظاهر في التأسيس لعلم المقاصد الشرعية، وكان الرائد الذي سار في طليعة العلماء ومهَّد الطريق؛ ذلك أن كشف القوانين العامة والقواعد، واستجلاء الغوامض - يرتَهِن في كل مرحلة من التاريخ بظهور الأفذاذ، وكان الشاطبي أحدهم.