الصفحة 27 من 34

يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:

"لقد بنى الشاطبي - حقًّا - بهذا التأليف هرمًا شامخًا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يُشرِف منه على مسالكَ وطرقٍ لتحقيق خلود الدين وعصمته، قلَّ مَن اهتدى إليه قبلَه، فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالةً عليه، وظهرت مزية كتابه ظهورًا عجيبًا، لما أشكلت على العالم الإسلامي - عند نهضته من كبوته - أوجهُ الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية، فكان كتاب"الموافقات"للشاطبي هو المفزعَ، وإليه المرجع"؛ (ابن عاشور محمد الفاضل، أعلام الفكر الإسلامي) ، وهذا ما دعا الإمام محمد عبده للاهتمام بهذا الكتاب ودعوة الطلاب لمدارسته قبل أن ينتشر الوعي بأهمية هذا المؤلف.

ونخلص من خلال كلام ابن عاشور إلى أهمية المقاصد في التجديد والنهوض الحضاري، فالمقاصد الشرعية يمكن أن تستوعب المستجدَّات المعاصرة، وتحقق الاستجابة للتحدِّيات التي تواجه المشروع الإسلامي.

واليوم يحتاج التجديدُ إلى فقهِ المقاصد"لتحويل الوحي إلى فعلٍ في العالم، وإلى حركة في التاريخ"، وذلك بتطوير الاجتهاد المقاصدي، وبَلْوَرة فقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه السنن، وفقه الأقليات، وهذه كلها مما يستوجبها الدرس المقاصدي اليوم لتغطية كل نشاطات الإنسان وكل مجالات الحياة، وتوسيع الكليات، وإبراز كل المقاصد في النفس والتاريخ والاجتماع والمعرفة، وإعادة رسم المقاصد لتكون منظومةً واسعة ومستوعبة لكل التطورات؛ لأن العلم الإسلامي الحقيقي هو العلم الذي لا تتعارض فيه العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، مع الاستفادة من مناهج هذه العلوم - طبعًا بعد تجريدها من أسسها الفلسفية الوضعية - لتبرزَ المقاصد في التفكير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فالحاجة اليوم هي للتجديد، لا للاختصار والشرح من دون إضافة.

ويمثل مشروع الإمام محمد الطاهر بن عاشور في استنباط مقاصد شرعية قطعيةٍ لفضِّ الخلاف المستند إلى الظنيات التي تختلف فيها الأفهام - خطوةً إضافية ونوعية في سبيل الارتقاء بهذا العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت