يقول ابن عاشور:
"فنحن إذا أردنا أن نُدوِّن أصولًا قطعية للتفقُّه في الدين، حقَّ علينا أن نعمِدَ إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد إذابتها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي علقت بها، ونضع فيها أشرف معادنِ مداركِ الفقه والنظر، ثم نعيد صَوْغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة"؛ (ابن عاشور، المقاصد، المقدمة) .
وكتب - رحمه الله - فصلًا بعنوان:"أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية"، أكَّد فيه على أهمية اعتبار المقاصد التي تدلُّ عليها القرائن والأمارات الخارجة عن النص، وحمل على المتعامِلين مع النصوص بتجريدها من الدلائل التي تهدي إلى مقاصدها ومعانيها الحقيقية.
يقول ابن عاشور:
"ومن هنا يقصر بعض العلماء، ويتوحَّل في خضخاض من الأغلاط حين يقصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويُوجِّه رأيه إلى اللفظ مقتنعًا به، فلا يزال يُقلِّبه ويحلله ويأمل أن يستخرج لبه، ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق"؛ (ابن عاشور، المقاصد، ص 24) .
وأمام ازدحام الواقع بالأحداث، وتسارع نسق المستجدات في مختلف مجالات تصريف شؤون المجتمع، تصبح الحاجةُ إلى منهجٍ في الاستنباط يمكن أن يستوعب هذا العصر من دون التنكر إلى ثوابت الأصل - مسألةَ ضرورةٍ؛ حتى يستعيد العقلُ الفقهي صلتَه بالواقع، ويحقق للاجتهاد الاستجابة المطلوبة للتحديات الحضارية بكل أبعادها، ويساعد على فهم العصر وتطوير المعرفة الإسلامية في النفس والاجتماع والتاريخ، على أرضية المرجعية الإسلامية، باعتبارها عنوان الانتماء للإسلام، وإلا لَمَا كانت هناك جدوى للحديث عن الاجتهاد إذا كان من خارج دائرة هذه المرجعية، مهما كانت العناوين التي يتدثَّر بها، غيرَ أن فكر المقاصد اليوم لم يتقدَّم كثيرًا عن الدعوة والمناداة بضرورة التجديد وفتح آفاق الاستنباط، ولم ينجز أصحابُه مشاريعَ تطبيقية يمكن أن تكون نموذجًا لدعوات الإمام ابن عاشور، فبقيت هذه المشاريع في طور الإضافات الجزئية