الصفحة 23 من 34

إن الحاجة اليوم إلى تجديد منهج استنباط الأحكام الشرعية ملحَّةٌ؛ ذلك أن الواقع يتطوَّر بنسق سريع، يترك الفقه الإسلامي يعيش فراغاتٍ كبيرةً لا يمكن أن تجد لها حلولًا في آراء القدامى، ولا تستوعبها المدونة الفقهيَّة الموروثة على أهميتها.

ولقد مرَّ التشريع الإسلامي بمراحلَ مختلفةٍ، وكان المنهج الأصولي يستجيبُ في كل مرحلة للتحديات الواقعية التي يواجهها المسلمون، فقد انطلق مع اجتهادات الخلفاء، خاصةً عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن المحطة الأولى للتدوين والتقعيد كانت مع الإمام الشافعي في كتابه"الرسالة"، الذي يبدو فيه علم أصول الفقه إنتاجًا إسلاميًّا خالصًا، رغم تشتت مباحثه، مما بوَّأ الإمام الشافعي مكانةَ الواضع لعلم أصول الفقه.

وتوالت الكتابات بعده، فألف الدبوسي"تأسيس النظر"، والبصري"المعتمد في أصول الفقه"، وابن حزم"الإحكام في أصول الأحكام".

وصنف الإمام الجويني"البرهان"، وهو كتاب ضخم بدأ يظهر فيه البناء الرباعي لهذا العلم الجليل، وإمام الحرمين أبو المعالي هو"صاحب الفضل والسبق في التقسيم الثلاثي لمقاصد الشريعة (الضرورات - الحاجيات - التحسينيات) ، وهذا التقسيم سيصبح من أسس الكلام في المقاصد"؛ (الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي) .

ثم جاء تلميذه الإمام الغزالي ومثَّل المحطة الثانية المهمَّة في تاريخ علم أصول الفقه، وبَلْوَر بناءه الرباعي، فكانت شجرة الأصول بفروعها الأربعة: الثمرة، والمثمر، وطرائق الاستثمار، والمستثمِر، وتعني: الحكم، والأدلة، وطرق الاستنباط، والمجتهد.

وأضاف الغزالي مقدمةً طويلة عن المنطق لكتابه"المستصفى من علم أصول الفقه"، واشترط المنطق في كل علم، فمن لا منطق له لا ثقة بعلمه، وفي"المستصفى نظم الغزالي المقاصد بشكل أكثر إحكاما وتنقيحا"،، وقد"أصبحت هذه الخطوات التي خطاها الإمام الغزالي، وهذه المبادئ التي نقحها وحررها في مقاصد الشريعة، هي المبتدأ والمنتهى لعامة الأصوليين الذين جاؤوا بعده، حتى نصل إلى الإمام الشاطبي"؛ (الريسوني، نظرية المقاصد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت