التاسع عشر وبداية القرن العشرين، منطقة السيبة والفوضى، على الرغم من وجود أتباع السلطان وقواد المخزن. ومن ثم،"راح الأمير ابن عبد الكريم يبذل جهودا عظيمة في إنقاذ البلاد من الحالة المحزنة التي كانت فيها. فقد كانت الفوضى ضاربة أطنابها والفتن والثورات منتشرة في طول البلاد وعرضها والفتك شديدا، والأزمة الاقتصادية آخذة بخناق الشعب، فقاوم الأمير هذه الأخطار، وذلل الصعاب، وضرب على أيدي العابثين بالأمن، فحلت الطمأنينة محل الخوف، وذهب العدل والقانون بالظلم والاستبداد، حتى صار الأجنبي فضلا عن الوطني يستطيع أن يجوب تلك الأنحاء آمنا لايخشى شرا من أحد إذا كان يحمل جوازا من الأمير، وحتى صار الريفي نفسه يحار من هذا الأمر، فهو اليوم يتكلم عن الحكومة في بلاده مباهيا بها وعن السلامة المدهشة التي يتمتع بها في حله وترحاله."
وما كانت الأعمال الحربية لتنسي الأمير أمر الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد أشد الحاجة، وما كان توطيد الأمن ليشغله عما يحقق لشعبه المستقبل المجيد، فقام بإصلاحات في كل فروع الحياة، فنظم مالية البلاد، وأصلح الإدارة، ونظم التجارة والزراعة، وأسس المدارس، وأرسل البعثات العلمية إلى أوربا، وعني بإصلاح حالة الريف الصحية، فأنشأ المستشفيات والمستوصفات، وجلب الآلات الفنية، وعمل على تعبيد الطرق وربطها بعضها ببعض إلى غير ذلك من الإصلاحات التي ستكون نواة لنهضة ثابتة في المستقبل" [1] . كما اهتمت الجمعية الوطنية للجمهورية الريفية اهتماما عظيما بتكوين الجيش وتحديثه وتدريبه على أحدث الطرائق الحربية والتقنيات العسكرية المعاصرة، فأقرت"التجنيد العام بحيث أصبح كل رجل في الريف مكلفا بالدفاع عن بلاده بدون أجرة، وخولت الأمير عبد الكريم السلطة التامة في اختيار الطريقة الملائمة، وسلمته زمام القيادة العليا للجيش، وتركت له الحرية التامة في أمور الحركات الحربية وغيرها من المسائل." [2] "
ومن جهة أخرى، فقد مرت مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي بأربع مراحل كبرى:
(1) - روجر ماثيو: مذكرات الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي 1927 م، ترجمة عمر أبو النصر، مطبعة فضالة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2005 م، ص:64.
(2) - روجر ماثيو: نفسه، ص:65.