لا غَرْوَ أن أول صدقة للكفل هي آخر صدقة له؛ ستون دينارا، وآخر وثبة للجريمة هي أول وثبة للجنة، سُجِّلتْ على بابه، يا عجبا!
بمَ أدرك الْكِفْل تلك المغفرة؟ يا عجبًا! .. أما كان لا يقلع عن شيء، تلك عُقدةٌ في نفوس الجماهير الهادرة، ينطق آخر سطور القصة بحلها، نبيهم يخبرهم عن خاتمة الْكِفْل؛ ليعرفوا في دينهم ما عرفه المسلمون من كتابهم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [1] .
من العبر والعظات في تلك القصة:
أ صوت الحق في قلب كل مؤمن أعلى من كل صوت، وبذرة الطاعة ما زالت نابتة في سويداء فؤاده.
ب حاجة الأحرار لا تقنعهم بالسقوط في الأوزار.
ت من حفظ على الله دينه كان الله في النائبات مُعِينَه.
ث من عزم على الجادة، وصمم على الاستقامة، هيَّأَ اللهُ له طريق الكرامة.
هكذا تكلمت قصة الْكِفْل.
إن الجنة محفوفة بالمكاره، وإن النار محفوفة بالشهوات، ولن ينجِّيَ منها إلا فطامُ النفس عن الشهوات المحرمة، ولا سيما المحببة منها، فمن ترك شيئا لله في الحرام عوضه الله إياه في الحلال.
كل المخاوف تجلب لنا الهموم والغموم والكرب العظيم في الدنيا إلا خوفا واحدا يجلب لنا أعظم شيء، وأفضل ما تصبو إليه نفس مؤمنة، ألا إنه الخوف من الجليل -سبحانه وتعالى-: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [2] .
هنالك الخبيئة لله، والمعيار بالتقوى، لا بالأقوى، فتلك الفتاة قد {ارتعدت وبكت} ؛ فعصمها ربها، وعوضها الدنانير في الحلال؛ لأنها تزلزلت، وخافته في السر، وتوقفت، واستنكفت عن أخذ المال بارتكاب المحرم.
(1) سورة الزُّمَر، الآية {53} .
(2) سورة الرَّحْمَن، الآية {46} .