الصفحة 16 من 31

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: نَمَاذِجُ مِنْ تَحْلِيلِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ

الًنَمُوذَجً الأَول: الْخَبِيئَةُ مَعَ اللهِ طَوْقُ نَجَاةٍ، قِصَةُ (الْكِفْل) أُنْمُوذَجًا:

روى أبو عيسى الترمذي في سننه عن عبدالله بن عمر-رضي الله عنهما! -قال: سمعتُ رسولَ الله_ صلى الله عليه وسلم_ يقول:"كانَ في من كان قبلكم رجل اسمه الْكِفْل، وكان لا ينزِعُ عن شيءٍ [1] ،فأتى بامرأة عَلِمَ بها حاجة، فأعطاها عطاءً كثيرا - وفي رواية: ستين دينارا-فلما أرادها على نفسها ارتَعَدَتْ، وبكت، فقال: ما يُبْكيكِ؟ قالت: لأن هذا عمل ما عمِلتُه قطّ، وما حملني عليه إِلا الحاجة. فقال: تفعلين أنتِ هذا من مخافة الله؟ فأنا أحرى، اذْهَبي؛ فَلَكِ ما أعطيتُكِ، ووالله لا أعصيه أبدا، فمات مِن ليلته، فأصبحَ مكتوبٌ على بابه: إِن الله-تعالى! - قد غفر للكفْلِ، فعجب الناس من ذلك؛ حتى أَوحَى الله-تعالى! -إِلى نَبيّ زمانه بشأنه" [2] .

إن هذا الحديث خير مثال على المنزِعِ القصصيِّ في الحديث النبوي الشريف، وهو قصة درس في التوبة، في سبعة سطور نقرأها، سمِّها ما شئتَ {قصة/ خبرا/ أقصوصة/ .. } ، إلا أنها تجمع معالم القصة الهادفة، تُبنى على فردين بطلين، هما على النقيض: من التهور في الجرأة على الذنب، وشدة التصوف والزهادة في الوقوع في الجريمة.

الْكِفْل يمثل النوع الأول {كان لا ينزع عن شيء} ، والمرأة تمثل النوع الآخر: ترتعد، وتبكي؛ لأنها ما فعلت فاحشة قطُّ. أحوجَها الفقرُ لقبول مالِه. مقدِّمَةٌ أسلمت إلى عقدة؛ أيِّ عقدة!

الحاجة الملحة أسلمتها إلى قبول لقبول الدنانير .. لكن ماذا وراء الدنانير؟ خطت خطوة .. ولكن كيف تخطو الثانية، صراع بين الخير والشر، بين الطهر والخطيئة، إما أن أحيا، وإما أن أموت، فما الحل؟

ارتعادٌ تلقائيٌّ، وبكاءٌ مفاجئٌ صدوق!

ويبدأ التعقيد عند الْكِفْل .. حيرة .. دهشة! يسأل، فيجيء الحل، ولكن لا يتلوه في نفسه صراع، إنما يتلوه ثورة حزمٍ، وغضبةُ عزمٍ، ثورة متعظٍ، وإقلاع عاصٍ، تلمذةُ جبار متعسف في درس خشية وخشوع، ورعدة ودموع، درس يثمر في ثوان أقوى الثمرات وأينعها {والله لا أعصيه بعدها أبدا} .

(1) لا ينزع فلان عما هو فيه: أي لا يقلع، ولا يترك.

(2) معجم جامع الأصول في أحاديث الرسول، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري {ت 544 هـ} ، ج 10، ص 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت