وسوسيولوجيا أخرى يمكن نعتها بالإنشائية. وتعتبر الأولى بمثابة طليعة السوسيولوجيا. في حين، تعتبر الثانية بمثابة المؤخرة التي لم تتحلل، بشكل مناسب، من إسار الفلسفة، ومن المقالة الأدبية، والتأمل الأخلاقي. يستعير النمط الأول من السوسيولوجيا نموذجا علميا كان بالضرورة هو نموذج الفيزياء في القرن التاسع عشر. ولهذا النموذج ملمحان، فهو آلي وحتمي في آن واحد، إذ يتعلق الأمر، في الواقع، بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر، تبعا لعلاقات سببية، خطية ومنتظمة، في موضوع تم عزله، وفي مثل هذا النموذج يتم استبعاد كل ما يحيط بالموضوع المدروس من موضوعات أخرى. يضاف إلى ذلك أن هذا الموضوع المدروس يتم تصوره كما لو كان مستقلا استقلالا كليا عن شروط ملاحظته. ولاشك أن مثل هذا التصور يستبعد من الحقل السوسيولوجي كل إمكانية لتصور ذوات أو قوى فاعلة أو مسؤولية الذوات وحريتها.
أما في السوسيولوجيا الإنشائية، فإن ذات الباحث تحضر، بالمقابل، في موضوع الباحث، فهو ينطق، أحيانا، بضمير المتكلم، ولا يواري ذاته ... لقد كان مفهوم الذات غير مستساغ من قبل المعرفة العلمية؛ لأنه كان مفهوما ميتافيزيقيا ومتعاليا ... في حين، إن تقدم المعرفة البيولوجية الحديثة، يسمح، اليوم، بمنح مفهوم الذات أساسا بيولوجيا. فماذا يعني أن يكون الإنسان ذاتا، اليوم؟ إنه يعني أن يضع الإنسان نفسه في قلب عالمه ... فالذات هي، بالجملة، الموجود الذي يحيل على ذاته وإلى الخارج والذي يتموضع في مركز عالمه." [1] "
وبناء على ما سبق، يتأكد لنا أن ثمة طريقتين في التعامل مع الظواهر المجتمعية، إما أن نختار الطريقة الوضعية التفسيرية الكمية في تبيان العلاقات الثابتة التي توجد بين الظواهر والمتغيرات، وإما أن نختار طريقة الفهم الكيفي لاستجلاء البعد المجتمعي، بفهم أفعال الذات وتأويلها.
وعليه، فمن الصعب تطبيق المنهج الكمي على العلوم الإنسانية بصفة مطلقة. لذا، نزاوج، في كثير من الأحيان، بين المناهج الكمية والكيفية. لكن تبقى المناهج الكمية لصيقة بالعلمية