وليس هذا مقام البسط في أصالة الفكر الاستراتيجي عند المسلمين، ولكن نشير إلى نص واحد من التراث الإسلامي العسكري، لا لنعتز أو نفتخر بالسبق في مجال الاستراتيجية والتخطيط، فذلك أمر لسنا ندعي بدأه بالرسالة المحمدية، ولا نهايته عند الأمة الإسلامية، وإنما لنؤكد أمرين:
الأول: أن الرسالة المحمدية أعادت صياغة الفكر الاستراتيجي على قواعد العدل والحكمة والتضحية والخلُق الحسن، مما مكن من توسيع رقعة الإسلام وتكثير سواد المسلمين في أقل من سبعين سنة، لم تصل دولتا الروم والفرس مع بطشهما وجيوشهما إلى نصفه في قرون متعددة.
الثاني: أن غفلتنا عن تاريخنا وواقعنا ومستقبلنا، وتخلفنا عن قاطرة الركب الحضاري والعلمي المعاصر يجدان سببهما وأصلهما في قطيعتنا مع الصافي مما ورثناه من الفكر، وعدم بلورتنا لفكر ذاتي يثريه ويضيف إليه. وأن مفتاح النهوض بأمتنا: العودة إلى تعبئة أفراد الأمة بمضمون دينها وكنه رسالتها معرفة وممارسة وجهادًا، وذلك لب الاستراتيجية الإسلامية.
أما قبسنا من التراث الاستراتيجي الإسلامي فهو"للهرثمي"صاحب"المأمون"في مختصره حول"سياسة الحروب"، الذي أوجز فيه فن الاستراتيجية كما تبلورت في العصور الأولى للإسلام، وحدد فيه صفات الرجل الاستراتيجي المسلم في خمس وعشرين صفة منها:
"التحضيض (أي الحض على القتال) ، والتشجيع، والتزاحف (أي الزحف نحو العدو) ، والازدلاف (أي التماسّ به) ، والمشاولة (أي رفع السلاح بوجهه) ، والمساورة (أي الوثوب عليه) ، والعطف بعد الحملة (أي رجوع الجند إلى مواقعهم بعد الهجوم) ، والطلب بعد الهزيمة، والركوب للمنهزمين، والإلحاح عليهم (وهو ما يسمى اليوم باستثمار النصر أو متابعة العدو ومطاردته بعد احتلال مواقعه) "، وأضاف:"أفضل الرؤساء في الحرب أيمنهم نقيبة، وأكملهم عقلًا، وأطولهم تجربة، وأبعدهم صوتا، وأبصرهم بتدبير الحرب ومواضعها ومواضع الفرص والحيل والمكايدة، وأحسنهم تعبئة لأصحابه في أحوال التعبئة، وبسيرهم أوان المسير، وإنزالهم أوان النزول، وإدخاله الأمن عليهم والخوف على عدوهم مع طلب السلامة لنفسه وأصحابه من العدو، وأن يكون حسن السيرة، عفيفًا صارمًا حذرًا متيقظًا شجاعًا سخيًا."10
ومن قراءة هذا النص غير الوحيد نرى مدى اهتمام المسلمين بفن الاستراتيجية الذي كانت له مصطلحاته، وأسّست له دواوينه، قبل أن نتهافت على فنّ الغير دون مشاركة، ونقتبس فكر الآخر دون إسهام، مكتفين بجهد الاستيعاب بعد خمود نفس الاجتهاد والإبداع والابتكار، وضياع الموروث، والنفور عن بلورته وتطويره.