لتطوير ذكائه ومضاعفة قدرات عقله وتفكيره، حتى أضحى الانفجار المعرف يصاحب الدور الأول في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية.
ليس هذا مجال الخوض في أنواع الاستراتيجية كما تعددت على مر التاريخ والزمن، ولا كما تنوعت حسب أصناف العتاد والعدة، ولا كما تتميز من خلال أشكال المواجهة والتعبئة، وإنما حسبنا أن نشير إلى وجود نوعين بارزين من الاستراتيجيات، نلخص مضمونهما فيما يلي:
أ استراتيجية الاستقالة: وهي استراتيجية تتخلى فيها الفئات الشعبية بشكل تصاعدي عن كل منافسة للنخبة في مواجهة التقلبات المستمرة داخل المجتمع، أو محاولة السيطرة على زمام حركتها. وهي استراتيجية تزيد من تأزم الوضع القائم، وتنتهي بمزيد من تمركز السلطة والإدارة بيد النخبة، ومزيد من الغرق للمجتمع تحت طوفان المشاكل الناجمة عن الآثار السلبية غير المعالجة للتقلبات، وانحصار اتخاذ القرار وتحديد البدائل في أيدي زمرة منعزلة من الفاعلين وأصحاب القرار.
ب استراتيجية التجنيد: وهي استراتيجية تجند فيها جميع الضمائر الواعية في المجتمع للتمكن من الوصول إلى مستوى حضاري نوعي، وإلى المشاركة الفعلية للفرد في صياغة حياته، والاهتمام ببيئته ومحيطه الاجتماعي، وإسهامه في تقويم ذاته، والتأثير إيجابًا في تطوير مجتمعه وإصلاحه، بشكل يجعل من تقلبات ذلك المجتمع ومخاضه ظاهرة طبيعية توظف لصالح تطوير المجتمع، وليست هوسًا يشل فعالياته ويحد من طاقاته.
ومثل هذه الاستراتيجية يمكن لها تطوير الفكر والمنهج والمعرفة بما يسمح لها بالانتقال من مجتمع ذي أغلبية صامتة، إلى مجتمع ذي أغلبية فاعلة، مقدمة على التصريح بما تعانيه، ومناقشة ما تعيشه من مشاكل، ومشاركة في صياغة برامج الإصلاح. أي استراتيجية تسمح بالانتقال من مجتمع سلطة جزافية إلى مجتمع سلطة واعية.
أ الاستيعاب الواعي للماضي: استيعاب الماضي ووعي حركته التاريخية ضروري لفهم الواقع الحاضر. فمن خلال فهم آليات الواقع الراحل و"ميكانزماته"، والمتابعة الدقيقة لمسارها التاريخي، يمكن إدراك التطورات المختلفة التي خضعت لها الأمة سواء على الصعيد السياسي، أو العسكري أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الفكري أو الثقافي، أو التربوي، ويمكن كشف المورثات التي أسهمت بشكل أساسي في انبثاق الواقع الحالي للأمة.