تعميق الفهم في الفكر الاستراتيجي: مدخل إلى التغيير الثقافي
أ حاجتنا إلى مفهوم معاصر للثقافة: لعل تمعننا في مصطلحي الاستراتيجية والثقافة، كل منهما على حدة يوحي إلى الدارس اللبيب بالعلاقة القوية بين المفهومين، حتى ليصبح الفن الاستراتيجي وما يتفرع عنه من العلوم لونًا من ألوان الثقافة، وشكلًا من أشكال الممارسة العلمية للثقافة، وشكلًا من أشكال الممارسة العلمية للثقافة. فثَقِف يثقَف فطِنَ وحذق وثِقف العلم أسرع أخذه، والفطنة والحذق مع سرعة البديهة والفهم، وسرعة الاستنباط والتحليل، كلها عوامل أساسية وضرورية لكل استراتيجية أيًا كان موضوعها.
ونحن ما زلنا أمام تطور الأوضاع وتصدع عرى ما كسبناه خلال كفاحنا المتأخر وغير التام ضد القوى الاستعمارية الغازية نسينا أو أُنسينا -لسذاجة مركبة عمت الأذهان- أن الحرب ضد وجودنا بوصفنا أمة إسلامية ما زالت قائمة بمختلف الأسلحة، السياسية الفكرية والثقافية والتربوية والعقائدية. وما زلنا نفسر تخلفنا على الشكل نفسه الذي ذكره مالك بن نبي منذ بداية الستينيات. يقول هذا المفكر في كتابه مشكلة الأفكار:"وهذه الصعوبات قد فسرت بطريقتين مختلفتين: بالنسبة لأنصار الموضوعة الاستعمارية، فإن عامل التأخر عن الإقلاع هو الإسلام، وبالنسبة لأنصار الموضوعة القومية فإن الاستعمار هو المسؤول عن ذلك، وفي كلا التفسيرين عيب أساسي لغموض في أساسه ... الأولون يتناسون الواقع التاريخي بتجاهلهم الدور الذي قام به الإسلام في إحدى أعظم الحضارات الإنسانية، والآخرون يجهلون أو يتجاهلون أن الدول الإسلامية الأكثر تخلفًا هي بالتحديد الدول التي لم تواجه تحدي المستعمر."1
وقد لا نتفق مع مالك بن نبي لأنه كتب ما كتب في وقته انطلاقًا من تيارات زمانه وأوضاع العالم الذي كان يعيش فيه، لكن النتيجة التي انتهى إليها من ذلك التحليل ما تزال صالحة قائمة تشهد على عدم العمل وتراكم المسؤولية قبل عصر ابن نبي وبعده إلى اليوم. ويقول هذا المفكر الفذ:
"والمجتمع الإسلامي يعاني في الوقت الحاضر بصورة خاصة من هذه الاتجاهات لأن (نهضته) لم يخطط لها، ولم يفكر بها بطريقة تأخذ باعتبارها عوامل التبديد والتعويق. فمثقفو المجتمع الإسلامي لم يُنشِؤوا في ثقاتهم جهازًا للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيدي يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام. أما القادة السياسيون فإنهم لم يؤمنوا بضرورة إنشاء مثل هذا الجهاز ليراقبوا"