الصفحة 4 من 31

مسيرة العمل في بلادهم. هكذا أضحى عمله التاريخي منذ قرن خارج مقاييس الفاعلية، وأضحى تنفيذه في ظل فوضى الأفكار."2"

ونحن لا نمجد ما خطه مالك بن نبي، ولكن نأسف لأمة يوجه لها الخطاب منذ سنوات فلا تستجيب، ويحلل العيب فيها وأسبابه فلا تُقْدِم على العمل. بل كثيرًا ما نراها تصادر حكومة وشعبًا -كل منهما بأسلوبه- أصحاب النقد والنصيحة الحاملين هم الأمة، ناعتة إياهم بالمروق عن الشرعية والخروج على القانون. ونعلم أنه لا نفع للأسف والتأسي، ولكن ليعلم همنا بالأساس أن من نخوض في ركام الأفكار بحثًا في حركيتها وفاعليتها (ديناميكيتها) ، عسى أن نفهم عللها وبواعثها وشكل تطورها، رغبة في المشاركة المأجورة عند الله وعند الناس في التنقيب عن علاج أزماتها وتحديد زمنه ومقاديره.

ذلك أننا حين نجد مالك بن نبي يقول:"إن للعالم الثقافي بنية ديناميكية تتوافق مظاهرها المتتالية مع علاقات متغيرة بين العناصر الثلاثة للحركية: الأشياء، والأشخاص، والأفكار"،3 نصاب بالخيبة لكوننا قضينا زمنًا كان علينا فيه أن نعي بحركية الأفكار والأشياء و"ديناميكيتها"، وبقينا مختلفين حتى على مستوى التنظير لتحليل ديناميكية وضعنا التعيس، علمًا بأن مالك بن نبي لم يكن أول ولا آخر من نادى بضرورة الاهتمام بحركية الأفكار وجدلية الثقافات.

والثقافة اليوم في عالمنا الإسلامي تحتاج إلى تعريف معاصر يبرز حركيتها وسعة مفهومها، فالعلم أضحى جزءً من الثقافة، وهذه حقيقة تأخرت أوربا في فهمها حتى زاحمتها اليابان، ونافستها في السياسة الاقتصادية والإنتاج والابتكار التكنولوجي، وهي اليوم تخشى زعامتها السياسية والعسكرية أكثر من أي وقت مضى. أما العالم المتخلف -والأمة الإسلامية جزء مهم من رقعته، وطرف كبير من منظومته- فهو بعيد تمام البعد عن الوعي باحتواء الثقافة للعلم، حتى في أدق بحوثه التقنية والتكنولوجية.

فما زالت العديد من سواعد العالم الإسلامي وعقوله وأمواله تخدم الثقافة الغربية والمنظومة الفكرية الغريبة المغذية لها، وهي غير واعية بذلك، بل نرى أسلمها طريقة يدعي أنه لا يستقيم علمًا أن نقول: إن المبتكرات التكنولوجية، والكشوفات العلمية هي جزء من الثقافة، وإن كان لا ينكر أن لها أثرًا في الثقافة والفكر. بل يصعب عليه، لضعف الوعي بدوافع الابتكار ومنطلقات الإبداع، التسليم بذلك. إلا أنه يرغم على القبول حين تأتي الفكرة حول ذلك على لسان المبدعين والمبتكرين الغربيين. ولا عجب أن نجده غدًا مدافعًا عنها، دون سابق اقتناع بها، بمجرد أن نطق بها المبجلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت