والحركي يرى أنه لا داعي لكثرة الحديث حول موضوع يكفي فيه حسن الاعتقاد والإقبال على العمل. وإذا كان محسن الاعتقاد والإقبال على العمل ضروريًا للمؤمن فإنه غير كافٍ لمعرفة بواعث الظاهرة موضوع الدرس وأسبابها ونتائجها وأشكال تطورها. ولهذا تجد العديد منهم في غير مستطاعه تقديم مشروع يخدم قضيته بشكل مستقيم، ولا يرى ضرورة في تقديم أوراق لا فائدة منها حسب رأيه، ناعتًا إياها بالبيروقراطية التي شلت أمور الدعوة. بل قد يغضب حين تطالبه بإثبات ما يلزمه لمشروعه، مرددًا أنه ما أقدم على اقتراح المشروع إلا طمعًا في رحمة الله وإخلاصًا له، وأنه لا يقصد أي استفادة مادية لنفسه. والغضب نفسه تلمحه منه بشكل أو بآخر لو طلبت منه معلومات تتعلق باسمه وسنه ودراسته وتاريخ حياته الثقافية أو الحركية أو الدعوية، معلنًا أن طلب ذلك تفاهة لا يهتم بها إلا المخبرون.
فإذا نحن استطعنا أن ندخل الحاجة إلى الخبير عند مختلف العالمين في الحقوق الثقافية والفكرية والدعوية، وتمكنا من إقناعهم بضرورة الجرد الشامل لمختلف البواعث والأسباب لأي ظاهرة من الظواهر أو مشكلة تعترضهم، وحمسناهم للنظر الثاقب لمختلف المآلات المحتملة لتطور تلك الظاهرة أو المشكلة، نكون قد حققنا تقدمًا ملموسًا في إيجاد جو مساعد على إحداث مؤسسات تهتم بالدراسات الاستراتيجية المستقبلية، وأسهمنا في توفير الوسائل المساعدة لفهم خطاب إصلاح مناهج الفكر وتبليغه.
لقد رأينا أن فن الاستراتيجية يفضي حين تطبيقه أولًا إلى فن التعبئة. والتعبئة تتم حسب المقاصد، واحتمال صعوبات الطريق ومنعرجاته للوصول إلى تلك المقاصد، مما يحتم التزود والإعداد: التزود بالتقوى أولًا، ثم بما يلزم من العلم والدراية، مع مصاحبة عمليات التدبر والتبصر والتذكر في مختلف المجالات والفنون حركة وموضوعًا. والإعداد مرادف للتزود، لكن يزيد عليه تصور حجم الخسارة لو لم يكن الزاد كافيًا، مع الحرص على بذل الجهد إلى أن تنتهي دائرة المستطاع.
وعلينا أن نعبئ أنفسنا زادًا واستعدادًا لأمور تلوح قادمة. ولسنا نتنبأ بها كما يفعل الضاربون على الحظ أو قارئات الفنجان، ولكن هناك على سبيل المثال لا الحصر ثلاثة أخطار تلوح في الأفق لها ما يقنع من شروط التوقع للوقوع في المستقبل:
-الأول: نجاح مشروع تعميم تهويد المعرفة وصهينة العالم، وهو مشروع بدأ في الظهور منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وتجسدت معالمه الحالية في مشروع إسرائيل الكبرى الذي