والمسلمين في ميدان الاهتمام بالمستقبل. فذلك أمر إن كان يؤيده كوننا أمة مأمورة وحيًا بالإعداد والتقديم للغد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر:18) ، وهو أمر صريح للاهتمام بالمستقبل، فإن غفلتنا المزمنة عن هذا الإعداد ترمي إلى الدلالة على العكس.
فكون الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية نصت وطلبت من المسلمين العمل على الاهتمام بمستقبلهم الدنيوي، لكسب مستقبل أخروي، وحثتهم على إحكام العدة، وإتقان التطلع، فإن ذلك لا يكفي للدلالة على سبق المسلمين في ميدان العلوم المستقبلية، علمًا بأن الأمم السابقة من أهل الكتاب أمرت أيضًا بالإعداد والاستعداد.
ولا يعني قولنا هذا أن المسلمين الأوائل كانوا فاقدي الحس المستقبلي، أو منعدمي التخطيط بعيد المدى، بل على العكس، كان التخطيط خير حافز لهم لتخطي العقبات ومواجهة التحديات، والعمل لصالح قومهم والأجيال المقبلة من ذريتهم، حتى أنهم لم يروا المستقبل في أنفسهم، بل رأوه في أبنائهم وأبناء من يدخلون دين الله أفواجًا في زمنهم ومن بعدهم، أبناء التواقين للحرية والانعتاق من جبروت الطغاة، فهاجروا من ديارهم، وضحوا بدنياهم في سبيل دينهم، كي يعيش الخلف في رغد من العيش، وحرية في الدين، تضمن حياته ومستقبله ومستقبل دينه.
ولعل الدارس لتاريخ الاستراتيجية وتطورها يصاب بالدهشة حين يكتشف أنها تجميع لعديد من الآراء، وكأنها تكرر المفاهيم نفسها زمنيًا بعد زمن، بل يحس أنها تراكم لأفكار متشابهة وضع بعضها فوق بعض دون رابط عضوي يجلي بنصاعة معالم النظرية. والمحقق في نصوص نظرياتها لا يدهش لذلك، بل يدرك أن النظرية لم تكن تحتاج لأن تتبلور بمزيد من التوسع إلا في فنون تحقيق النصر وأساليبه حسب وسائل المواجهة المتاحة. فكلما تغيرت تلك الوسائل كان في التنظير الاستراتيجي نوع الفوز، لكن نستطيع أن نجزم أن النظرية لم تصغ من خلال تجميع لآراء وأفكار استراتيجية عبر التاريخ، بل يعاد تفسيرها حسب نوع التطور الحاصل في الوسائل، لأنها أساسًا مبنية على الفطنة والحذق والذكاء على صعيد القادة، والنظام والانضباط والحزم والصبر على صعيد الجيش ككل، وإنما تدوين تلك النظرية هو الذي تم على دفعات زمنية حسب الحاجة إليه.