الصفحة 16 من 31

فالأولون لم يكونوا من الراغبين في تدوين استراتيجياتهم بقدر ما كانوا راغبين في تدريب قياداتهم وخبرائهم على فنون التعبئة والمواجهة، وحماية أنفسهم من مكايد العدو وتقنياته الحربية. وهذا يحتاج أساسًا إلى التمرس والتدرب العملي والفعلي، ولا حاجة في تحقيقه إلى تدوين الجانب النظري، بل حين التمرين والتمرس يتلقّى القائد أو الفارس المتدرب ما يلزم من التنظير والتطبيق على السواء.

لكن لما أنشئت المدارس العسكرية المعاصرة، واتسعت فنون وأساليب التعبئة والمواجهة وأساليبها، حسب تطور الأسلحة وأدوات الصراع، أضحى تدوين النظريات الاستراتيجية ودراستها وتمحيص بنودها نوعًا من المادة اللازم تلقينها للضباط الكبار والعسكريين. وحسْبُ الأولين من الجهد في هذا المجال أنهم دونوا المتاح من النصوص النظرية والعملية، وألفوا في هذا مصنفات تضم زادًا ضخمًا متناثرًا داخل ما حرروه ودونوه من كتب التراث، يحتاج إلى الجهد والكد كي يستجمع ويستخرج.

وعلى الرغم مما بلغ تقدم التكنولوجية العسكرية والحربية في عصرنا هذا، فإن النظرية الاستراتيجية لم تعرف تقدمًا في نفس المستوى ولا على نفس الوتيرة، فهي ما زالت على حالها في كثير من بنودها، لأن الحنكة والدهاء والفطنة المطلوبة هي هي. إلا أن إمكانية استجماع كمّ هائل من المعارف، وتوافر سيل عارم من المعلومات حول أوضاع الخصم وأدواته، جعل هذا الفن يعرف نوعًا من التقعيد لم تعد تكفي فيه الفطنة والذكاء والحيلة والحنكة.

ولعل أخطر تقدم عرفه هذا الفن هو في وسائله وليس في تنظيره، لأن النظرية لم تعرف ابتكارًا يميزها عن سياقها القديم، ولكن تمت توسعتها بفعل وسائل أربعة:

-الإعلام وتقنيات الاتصال.

-الصناعة الحربية بمختلف أشكالها.

-القوة الاقتصادية

-التقنيات المتقدمة في مجال الاستخبارات وتقصي المعلومات وتحليلها.

وأهم نتائج ذلك أربع:

-فهناك إمكانية للتأثير في دائرة أوسع.

-وهناك فرص للتعبير في قنوات متعددة ومختلفة.

-وهناك إمكانية لاستجماع المعلومات في وقت أسرع.

-وهناك إمكانية للتدمير في وقت وجيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت