ومؤلبة هواجس الحماية القومية. حتى لقد يستوي في الخطر انعكاسات الأزمات الثقافية وويلات المنافسة الاقتصادية غير المتكافئة، لتتولد عن ذلك طاقات احتياطية داخل المجتمع قابلة للانفجار وصب الغضب، تستخدم استراتيجيًا من طرف المتنافسين حين الحاجة لتحقيق مكاسب ثقافية أو اقتصادية أو عسكرية هامة.
ولو عمدنا إلى حصر المتدخلين في الساحة الاستراتيجية لوجدنا أنه من الصعوبة القصوى القيام بذلك، والحجة على ما ذكرناه أن من سنن الله الثابتة في الكون دفع الله الناس بعضهم ببعض، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (البقرة: 251) ، والتدافع صراع فكري وثقافي إيجابي يمنع الفساد في الأرض. والإفساد صراع فكري وثقافي سلبي يهلك الحرث والنسل، ولكل من الصراعين استراتيجياته وفنونه.
فالمتدخلون كثيرون، منهم الدولة والفرد والمجتمع، ومنهم المقاولة والمؤسسة والمنظمة، ومنهم الأحزاب والهيئات والتنظيمات. والعوامل متعددة، منها الزمان والمكان والمناخ، ومنها وضع البيئة، والاقتصاد والسياسة، ورأس ذلك كله الثقافة. فكل فرد تحركه رغباته ونزواته التي تمليها عليه ثقافته، وتحثه على التدافع مع محيطه وأفراد مجتمعه. ويدفعه للعمل الرغبة في الإقدام على الفعل تلبية لدوافع ثقافية واستجابة لمتطلباتها. وكل ذلك يملي استراتيجية ثقافية وفكرية ذاتية يمتلكها الفرد المتحمس الفاعل، تغذيه بالحماس وتشحنه بالأمل، مستوحاة من استراتيجية ثقافية وفكرية جماعية، يمتلكها مجتمع قادر على تطويرها وإعادة صياغتها، حريص على تنفيذها، وجاد في مواجهة التقلبات والتيارات في ضوئها.
طال السبات بالأمة الإسلامية إلى درجة أصبحت ترى جديدًا ما هو من صلب دينها وفكرها. وتراه جديدًا ليس بإعادة اكتشافه، ولكن حين التأكد من أن البضاعة الفكرية والثقافية المستوردة هي نسخة مشوهة لما تملكه، مغمورًا في خزائن تراثها المشتكي من شدة الإهمال المتطاول، وضعف الاستفادة والتطوير اللازمين. من ذلك مثلًا ما صاغته المدارس الغريبة من فكر استراتيجي معاصر، يبدو لنا ظاهرة حديثة من الظواهر العلمية والفكرية التي تشهدها الحركة العلمية والفكرية الإنسانية بفضل قوة آلياتها الغربية واجتهادها، بيد أنه لا يعدو أن يكون مشاركة لها حجمها فيما أرساه الإسلام منذ آدم عليه السلام، وطوّر مضمونه إبّان نزول القرآن الكريم وبعده من فن التأهب والاستعداد لتجنب المفاجأة في الدنيا وفي يوم المعاد.