وبقدر ما نجد الثقافة الغربية متحمسة لمزيد من الدراسات والبحوث الاستراتيجية في جميع المجالات، وخاصة منها المجال الاقتصادي والمجال العسكري، نجد الركود في الثقافة العربية الإسلامية التي استهوتها أنواع من الثقافة الوافدة، لا حظ للعديد منها في نفع الأمة بشيء لا في النهوض ولا في الحركة.
هذا في الوقت الذي أسهم الانفجار المعرفي، وتوسيع دائرة الفكر الاقتصادي في حياة الناس، في جعل الخطاب الاستراتيجي يغزو العديد من المجالات الحياتية للمجتمع الغربي، وأضحى كل فن داخل منظومته الفكرية والثقافية والاقتصادية له أسلوبه في معالجة الداخل، وطريقته في حماية ذاته وحركاته ونتاجه من التقلبات المؤثرة والهزات القاتلة.
قد يعزو بعضنا ذلك الاهتمام عند الغرب إلى قوته الفائقة، ويعزو تخلفنا عنه إلى الضعف والوهن الذي نعانيه، ولكن لو تبصرنا فيما يحتويه كل فن من فكر استراتيجي لعلمنا أن هذا الفكر لم يعد اليوم حكرًا على العسكريين وحدهم، ولا من حق أصحاب القرار السياسي بمفردهم، ولكن صار للعديد من المؤسسات والمقاولات باع كبير في الخوض تحليلًا وإبداعًا في الدراسات الاستراتيجية، وصياغة أنواع من الفكر الاستراتيجي. بيد أن مؤسساتنا ومقاولاتنا لا تصرف ولو درهمًا في تشخيص أوضاعها وأمراضها إلا إذا أصبحت على مقربة من الإفلاس، أو أفسد عليها السوقَ منافسٌ لم تحسب له الحساب، ناهيك عن أن تحدث بأجهزتها خلية تهتم بالهزات والتقلبات وما تمليه من قرارات، تحتاج حين الصياغة والتنفيذ إلى استراتيجية محكمة مسبقة الإعداد.
أضف إلى ذلك أن تدويل الاقتصاد، وانتقاله من تبادل سلع بين القبائل والأمم المجاورة، إلى تبادل تجاري معقد، متكافئ حينًا وغير متكافئ أحيانًا، بين قارات ودول متجاورة أو متباعدة الأطراف، مع تعدد أقطاب هذا الاقتصاد، وما يتولد عنه من حركة وصراع وتنافس دولتين قد وَلّد رغبات في فهم اندلاع النزاعات القطرية والقارية والدولية وصيرورتها في مختلف جوانبها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية. وأصبح كل مجتمع منافس راغبًا في مزيد من التوسع المعرفي داخل هذا الفكر، ومطالبًا أطره المتخصصة بمزيد من الفهم لأدواته وآلياته، متطلعًا إلى الصراعات الثقافية والفكرية، والتصدي للأزمات الاقتصادية، في غياب أي قانون أخلاقي يحمي الضعيف من الدول والمجتمعات، ويرحم الهزيل من المؤسسات والتنظيمات.
وطبعًا لا يخفى على اللبيب أن الحرب الثقافية العلمية بكل وجوهها، وخاصة منها ذات الوجه الاقتصادي البارز، تغذي بمفعولها وحركيتها الصراعات المحلية، مؤججة قوى التنافس القطري،