الصفحة 23 من 31

ودقة المتابعة تحتاج إلى إعمال الوعي في فهم وقائع التاريخ، علمًا بأن الماضي لا يمكن الولوج إلى أغلبه إلا من خلال النص المكتوب. نعم، يكن الاستعانة بالآثار المتبقية، والحفريات الأركيولوجية، وبعض النقول الشفوية، ولكن يبقى الباب الواسع لمعرفة صور الماضي وأحداثه هو النص المدون، ولا مناص من توفيره وتحققه.

ولتحقيق ذلك نحتاج إلى ضربين من العمل:

-توفير دلالات مصطلحات النصوص، وتقلبات مفاهيمها عبر الزمن، من زمن خروج كل نص للوجود إلى زمن الانكباب على دراسته وتحقيقه:

ويعني ما تقدم أن علينا ما دام النص خطابًا في أساسه أن نوفر للدارس أصنافًا من المعلومات شتى تحصر معظمها فيما يأتي:

-سيرة المخاطب، ومكانته الاجتماعية، ودوره الإصلاحي في المجتمع والأمة، مع مسح شامل لإنتاجه الفكري وعطائه العلمي.

-شكل الخطاب وأنواعه ودلالاته، ومحيطه العلمي والفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي، وقراءاته المختلفة، وشروحه سواء منها المواكبة أو اللاحقة، مع تحديد دائرة معاني ألفاظه ومفاهيم مصطلحاته، بشكل يمكن من الوعي بالمناخ اللغوي والاصطلاحي السائد وقت صدور ذلك الخطاب.

-جو المخاطب ومحيطه، ونعني بذلك العمل على رسم الخريطة الفكرية والثقافية وضبط المناخ المعرفي وأدواته العلمية والتربوية والدعوية والإعلامية.

-المسار التاريخي للخطاب إلى أن وصل إلينا، وتقلبات النسخ التي خضع لها، والآثار الفكرية أو الأدبية أو الفقهية التي أوجدها.

وكل نقص في هذا الركام من المعلومات -حسب الأصناف الأربعة المذكورة- يخل بعملية الاستيعاب الواعي للماضي، خاصة إذا تعلق الأمر بالعوامل الفاعلة والمحركة للتاريخ.

وطبعًا نعني بالخطاب النص النافع الصالح لفهم حركية التاريخ، والمساعد على فقه علل القضايا والتيارات التي أنتجها مخاضه وتقلبه.

ب الاستقراء الشامل للواقع: إن إصلاح الواقع يمر حتمًا عبر فهم شكله ومضمونه، وثابته ومتحركه، وحديثه وقديمه، وقويه وضعيفه، والآني منه والمستمر. والعلة في استقراء وقائعه، وتبين تضاريس مختلف خرائطه فكرًا وثقافة ومنهجًا، عطاءً وأخذًا، تلك الرغبة في إعمال التغيير فيه، لينتقل به إلى وضع أحسن وأمثل. وهو أمر يحتاج إلى أدوات جمع للمعلومات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت