الصفحة 21 من 31

القرآن إلى أنماط التفكير، وأساليب التقويم، ومعايير الحكم. وفي جملة واحدة، أضحى ضروريًا أن يغمر القرآن كل ثقافة الإنسان"."

يصعب عليك أن تتصور قوة ردود الفعل من طرف الإعلام القائم المنتقي لعملية الإثارة من جانب، والاحتواء من جانب آخر. وكم ستفسد عليك تلك الردود عملك الفكري ليس لاهتمامك بها، ولكن لانشغال جمهورك الذي تصرف الجهد لتوعيته بصداعها وتطورها. ولا تهم الضجة الإعلامية المفكر إلا بأثرها في تفسير المصطلحات وتأويلها بشكل مفسد لعملية الفكر. فالأثر في الأدوات من طرف الإعلام التافه خطير، وشحن المناخ بضباب الخطاب المستفز مفسد للرؤى والتأملات. أما لو صدر ذلك القول عن شخص يحمل اسم آية الله الخميني أو الشيخ عباس مدني، فإن إعصارًا سيهب على مختبرات تحليلك، وعاصفة هوجاء ستفسد فعالية أدوات معرفتك، بشكل يستدعي المراجعة وصرف غير قليل من الطاقة في إبعاد أثر الإعصار ووقع العاصفة.

حسبك ما عاشته المؤسسات العلمية الإسلامية من حرج شديد، وتجاذب خطير، ونزعات نحو الجمود وقت فتنة سلمان رشدي، أو فتنة حرب الخليج. ويكفيك للدلالة على المراد استيعابك لما خضعت له القنوات الفكرية من الخنق وانشغال الجمهور بمختلف أنواعه عنها، مهرولًا وراء أبواق خطاب التزيّد أو المزايدات والحمية -حمية الجاهلية-. فلقد أفسدت تلك الهزات وما صاحبها من الدوي الإعلامي الأجوف كثيرًا مما كانت تصبو إليه همم النحارير، وسال من لعاب الفكر الجاف ما عجزت عن احتوائه كبريات القماطير. وما يجري الآن بالقطر الجزائري والفلسطيني والسوداني والأفغاني وبأقطار أخرى بالعالم الإسلامي قريب من ذلك أو شبيه به.

يضاف إلى تلك الأعاصير والعواصف ظاهرة لا يمكن نكران وجودها وتطورها، وهي ظاهرة الانفجار المعرفي، والمتجلية في تلاحق الاختراعات العلمية، والابتكارات التكنولوجية، على وتيرة لم يشهدها التاريخ من قبل، وبسرعة مذهلة جعلت من عجب القول التصريح بالحقيقة القائلة بأن قرابة الثمانين بالمائة من العلماء الباحثين في مجالي العلم والتقانة من ثلاثة ملايين بحث أو مقال علمي ينشر في العالم كل سنة، وهذه الأعداد في صعود متواصل ومسترسل.

وإذا كانت الثورة الصناعية في القرن الميلادي الماضي قد قدمت للإنسان من الأدوات والآلات ما مكنه من مزيد المعرفة لمحيطه، ومزيد من الاستغلال سلبًا أو إيجابًا للموارد الطبيعية المتاحة له، فإن الثورة الصناعية الحالية كان انفجارها عظيمًا في ذهنه، وكان تسخير الآلات فعالًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت