الصفحة 6 من 22

كلنا نعرف منذ كنَّا صغارا حكاية الدبة التي قتلت صاحبها من فرط حبها له، وخوفها عليه، وحرصها على حمايته.

نعرف كذلك أنها كانت تهيم بصاحبها حبا وعشقا، وأنها كانت تخاف عليه من أبسط الأمور وأهونها، وتعتقد أنَّ عليها أن تحميه من كل ما يحيط به!

حين رأت الدبة ذبابة صغيرة حطت على وجه صاحبها، هرولت والتقطت حجرا ضخما، ثم سرعان ما قذفت الذبابة بهذا الحجر وهي فرحة وفخورة بتصرفها!

ظنت الدبة أنها ستقتل الذبابة وتحمي حبيبها، ولم تعلم المسكينة أنها نصبت فخا لتقتل هذا الحبيب دون أن تدري! وبالفعل وقع الحجر على رأس الرجل الطيب فأرداه صريعا، فحق لكل من رأي مثل هذا الحب الخانق وعاش في أجوائه المهلكة أن يردد بكل كيانه: لا أريد مثل هذا الحب! وحق لنا أن نردد حين نرى مثل هذه المشاعر المريضة:"ومن الحب ما قتل"ومن الحب أيضا ما قتل الورد .. فربما أحبَّ البستاني زهوره، وهام بها عشقا إلى الحد الذي جعله يوفر لها كل ما تحتاج إليه، ولكنه من فرط حبه لها لم يعد يريد أن يقترب منها أحد، أو أن يلمسها، ظنا منه أن كل من حوله ربما ألحق ضررا بوروده سواء كان ذلك عن قصد أو دون قصد! لقد وفَّر البستاني للورد المياه، والسماد، والتربة الخصبة، ولكنه حجب عنه ضوء الشمس، ومنع عنه ضياء الحرية؛ فحرمه من النمو الطبيعي فكانت النتيجة الحتمية أن ذبل الورد ومات!

ولكن أتدرون .. بعض هذه الورود قد تكون تطلعاتها إلى الحرية أكبر من غيرها فتظل تبحث عن منفذ يعبر بها نحو الضوء، وعندما تجد هذا المنفذ سرعان ما تهرب من أسوار البستاني وتخرج من هذا الثقب لتتنفس هواء الحرية. أطفالنا كذلك ورود، وبعض الأباء يشبهون ذلك البستاني، يخافون على أبنائهم إلى الدرجة التي تجعلهم يحجبونهم عن كل تجارب الحياة، وعن العلاقات الاجتماعية المختلفة، وعن كل ما تتوهم عقولهم أنه سم قاتل سيقتل أبناءهم ويصبح سببا في ضياعهم! هذا هو حال الأباء والأمهات الذين يعانون من هوس الخوف على الأبناء، فيُضيقون عليهم الخناق، فيُصبح المباح حراما، والصداقات الطبيعية ممنوعة، وتفكير أبنائهم في الدخول في أي تجربة عادية هو بمثابة الخطر لديهم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت