الصفحة 15 من 22

هل يمكن للبستاني أن يسقي زهوره بماء الحزن؟! وهل يمكن للأمهات أن يغرسنَّ في نفوس أبنائهن وبناتهن بذور الحزن ليتحول إلى شجرة ضاربة بجذورها في أعماقهم؟! نعم، يحدث ذلك كثيرا دون أن ندري، ودون أن نتعمد، فدعوني أخبركم كيف ينقل بعضنا زهوره من عالم السعادة والأفراح إلى عالم الحزن والأتراح. فلنبدأ بزهرة الفل تلك الزهرة التي رأيتها في بداية جولتي في بستان الزهور .. زهرة تجذب بعبيرها وعبق رائحتها وجمال منظرها النفوس وتأسر القلوب. كل هذا تفعله زهرة الفل رغم صغر حجمها وضآلة جسدها، فهل منعها جسدها النحيل أن تكون مثار إعجاب من حولها؟! هل صغر حجمها مبرر مقنع لانصراف الوجوه عنها، أو السخرية منها، أو التعليق السلبي عليها، أو عدم اهتمام البستاني بها؟! إذا كانت زهرة الفل تفعل كل ذلك فلماذا نحجِّم من جمال الفل في حياتنا؟! دعونا نترك الفل جانبا وننتقل إلى زهرة أخرى تمتاز باللون الأسود الداكن، يلقبها البعض بالزهرة الحزينة، هذا الاسم جعل عقلي يأخذني لأتذكر حال كثير من الأمهات اللاتي يحولنَّ بناتهنَّ لزهور حزينة بالفعل! فأحيانا نرى فتاة داكنة اللون ورغم ما بها من جمال رقيق خلقها الله عليه إلا أن الأم تصر أن تنعتها بالسوداء وكأن هذا السواد عيبا فيها .. وما تدري هذه الأم أنها تغرس خنجرا في قلب ابنتها، وتعلن وفاة ثقتها بنفسها. فلماذا تقف الأم لثقة ابنتها ذات البشرة السمراء بالمرصاد؟! لماذا تعلق تعليقات سلبية تفقدها تقديرها الذاتي لنفسها؟! أما تدري هذه الأم أن اللون الأسود له عشاقه؟ وأن للبشرة الداكنة محبوها؟! تنهد قلبي تنهيدة حزينة حين أنتقلت لركن آخر من أركان البستان، ركن في نهاية المطاف، تعلن زهوره وجودها فيه على استحياء، فالكثيرون لا يمرون عليها، وإذا مروا عليها مروا ليتعجبوا، وليلقوا كلماتهم السخيفة ونظراتهم المؤلمة ثم سرعان ما يولون وجهوههم بعيدا عنها. هناك في نهاية البستان وقفت أتأمل زهرة الجثة .. تلك الزهرة التي تعد من أضخم الزهور في العالم .. قد يكون مظهرها لطيفا ولونها جاذبا للبعض، ولكن رغم كل ذلك يبتعد عنها معظم رواد البستان حيث تنبعث منها رائحة غير محببة تنفر منها الأنوف والقلوب، زهرة لا تجذب إليها النحل ليصنع من رحيقها العسل بل تجذب إليها الحشرات والهوام فما أعجب تلك الزهرة حقا! إذا كان ذلك يحدث في عالم الزهور فهل في عالم البشر زهرة كتلك الزهرة .. هل في عالم البشر أنثى يلقبها والداها بالفيل أو الجثة لأنها سمينة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت