كم من ملامح بريئة تحولت مع الوقت إلى نفس في الظلم جريئة! وكم من جَمالٍ كُنا نعشقه ونهواه فإذا بنا مع مرور الوقت نتجنب قُبح سلوكه وآذاه! تُرى ما الذي يحول الطفل إلى إنسان عدواني مملوء بالغضب والكراهية لكل من حوله؟! ما الذي يجعله يبطش بأقرب الناس إليه؛ فيتحول مع الوقت إلى أخ أو ابن أو أب مملوء بالقسوة والجبروت؟! دعوني في البداية أقص عليكم قصة سامر ليصل إليكم مقصودي وما ترنو إليه كلماتي: سامر طفل ذو ملامح بريئة ومشاعر رقيقة، أتى إلى الحياة بعد سنوات عجاف من عدم القدرة على الإنجاب .. جاء ليحوِّل حياة الأسرة إلى بستان للأمل والسعادة .. يضحك فتضحك الحياة، ويملأ بصدى ضحكاته أركان منزله فرحة وبهجة، فيُسعد أمه وجده وجدته فتحلو بوجوده الحياة. تمر أعوام الطفولة المبكرة وسامر يكبر شيئا فشيئا وهو في قمة التميز والإحساس بروعة وجمال الحياة، ولكن يحدث ما تحزن له القلوب، وتدمع له العيون فها هي ابتسامته العذبة تختفي فجأة ليحل محلها حزن دفين، ويسكن العين دمع ثخين، ويمتلئ القلب بالألم والأنين، فمنذ أن عاد أبوه من السفر تحوَّل البيت إلى مرتع للصراخ والسباب والضرب. قُتلت الكرامة في مهدها لدى سامر، فقد كانت يد والده تمتد لتضربه كلما أخطأ خطأ ولو كان بسيطا، فإذا بالطفل البرئ يُضرب بالحذاء حينا، وبالحزام حينا، وحينا بالعصا ظنا من الأب أن هذا هو الأسلوب الأمثل للتربية، وأن هذه الطريقة ستجعل منه رجلا يُعتمد عليه! سامر يملؤه الخوف .. يرتعد رعبا .. وفي كل مرة يتوسل إلى والده أن يتركه ولكن دون جدوى. سامر يُحدِّث أمه في الخفاء: لا أحب أبي .. أريده أن يسافر مرة أخرى .. أريده أن يسافر ولا يعود للأبد. يحدث ربَّه في سجوده: أريد أن يموت أبي أو أموت أنا! تمر الأعوام وسامر ينحدر مستواه الدراسي بعد أن كان الأول على مدرسته، فأصبح في الصفوف المتأخرة بل ويكاد يصل إلى النجاح بصعوبة.
لم يعد يصلي كما عودته أمه .. لم يعد يناجي ربَّه .. لم يعد يكترث بأي شيء في الحياة .. لم يعد يشعر بأي شيء سوى الخوف والحزن والرعب واليأس. كبر سامر وأصبح في المرحلة الثانوية .. ولكن تبدلت أحواله فها هو طفل الأمس الخائف لم يعد يكترث بشيء، ولايخاف أحدا .. أصبح صوته يعلو على والدته .. ينظر