هل رأيت زهرة النرجس من قبل؟ هل أعجبتك؟ زهرة النرجس زهرة رقيقة كرقة النسيم الذي مر على وجه الصيف ليلطف من قسوته. صافية كصفاء النهر حين تصافح أشعة الشمس صفحاته. آسرة للقلوب كطفلة بريئة قطعت ابتساماتها كآبة الحزن في قلوب المجروحين. ولكن رغم كل هذه الروعة إلاَّ أنها زهرة تحمل من المعاني المُنَفِّرةِ ما تأباه النفوس النقية، والقلوب الزكية؛ فهذه الزهرة الجميلة المظهر غرَّها منظرها الجميل، وجعلها تختال بجمالها فلا تسمح لمن حولها بالظهور، فهي تحب أن تكون وحدها في الصورة، لا أحد سواها، ومن يتجرأ على الظهور في حضورها فهو هالك لا محاله، فهي لا تسمح لأي نبتة أخرى أن تنمو إلى جوارها، تماما كذلك الإنسان الذي يُعجب بنفسه إلى الحد الذي يجعله يغضب حين يرى من يوازيه أو يعلو عليه فإذا به ينحِّيه جابنا بكل الحيل وبكل الطرق! هذا يأخذنا إلى الحديث عن الشخص النرجسي -كما يسميه علماء النفس- فهو شخص يعشق ذاته، ولا يرضى بغير المدح والثناء المُفرط بديلا .. شخص تذوب مشاعره مع الوقت، فلا يستطيع أن يشعر بمن حوله أو يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، فهو مهموم بذاته فحسب. دعونا إذا نلقي نظرة سريعة على أصل تسمية زهرة النرجس: تقول إحدى الأساطير أن نرجس هذا كان شابا جميل المنظر .. يعشق النظر الدائم لصورته على صفحات الماء، وكلما رأى هذا الجمال المتدفق ازداد إعجابا بنفسه وعلا وارتفع غروره، وبينما هو على هذا الحال إذ سقط في النهر، وغرق فنبتت مكانه زهرة النرجس! هكذا تقول الأسطورة ورغم سذاجتها ومخالفتها للمنطق والعقل والدين ورغم أنها مجرد أسطورة إلاَّ إننا يمكننا أن نستخلص منها الحكمة. وقد رأيت في هذه الأسطورة حكمة تربوية أحببت أن أهديها لبعض الأباء والأمهات، فكم من أم تقضي جل وقتها في الاعتناء بمظهر أبنائها فحسب، والثناء على جمالهم وحسن صورتهم، واحتقار حسن الآخرين إلى جوار حسن أبنائها. فيجد الطفل نفسه محاطا بهاله من الثناء الجسدي، فيكبر وأكثر ما يعنيه في الحياة جماله ومظهره وحسن صورته. وبمرور الأيام تنمو داخله بذرة الغرور الفاسدة، فتتحول إلى شجرة ضاربة لجذورها في الأعماق، ثم سرعان ما يبدأ في احتقار كل من حوله، والانتقاص من شأنهم، وإقصائهم وإخفاء أي نجاح لهم، كما أنه يحيط نفسه بهالة فارغة وكاذبة رغم أنه من الداخل هش وضعيف للغاية مما يجعله عاجزا عن الوصول لأهداف عظيمة، وإن حدث ووصل إليها فهو يصل وهو فاقد للحب في قلوب الآخرين، وفاقد للاحترام في عقولهم؛ فتصبح