السلام - (وهو واحد من أبنائه) عليهم وهم عصبة، فلو كانت أنفسهم صالحة لما أخفت كل هذا الحسد على أبيهم، ولا تآمروا على قتل أخيهم سرًّا، بل وغرَّتهم أنفسهم بقدرتهم على الإصلاح من شأن أنفسهم كذبًا وزورًا، باعتبار أن أبيهم نبي، فقالوا: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] ، فلما أنفذوا ما أضمرته أنفسهم من شرٍّ لم يقدروا على أن يتباهَوا بذلك، وإنما ظلت أنفسهم تتلجلج في الكذب، وتحاول إخفاء هذه الجريمة بالتمثيل والكذب والخداع دون أن ينجحوا في ذلك، لماذا؟ لأن النفس المدسوسة تفضح صاحبها، قال - تعالى: {وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
وفي المثال الثالث لم يقدِرِ السامريُّ على خداع بني إسرائيل وتصوير عجلٍ لهم ليعبدوه من دون الله إلا بعد أن خدعَتْه نفسُه بأنه يَبْصُرُ أشياء لا يَبْصُرُها الآخرون، قال - تعالى: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا} [طه: 96] ، ولعل ما تعلمه من الخدع المضللة هو ضرب من ضروب السحر، والغرض هو إفساد عقيدتهم المتزعزعة التي طلبت من قبل أن يتَّخِذ موسى - عليه السلام - إلهًا غير الله - عز وجل - فأجابهم السامري لِمَا تَهْواه أنفسهم، ولم تكن إجابتُه لهم إلا عن نفسٍ تحقد على موسى - عليه السلام - فضل الله - تعالى - عليه أن كان رسولًا نبيًّا، قال - تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88] ، فما كان لنبي أن ينسى شيئًا في مقام تبليغ الدعوة، ولكن ذلك كله من باب التضليل طالما وجد السامري سفاهةً في قومه، وذلك كله هو ما سوَّلت له نفسه عمله {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96] .
والشارع الحكيم لم يمنَعِ النفس حظوظَها من الدنيا أو شهوتها، لكنه - سبحانه - نظَّم لها حظوظها وضبط لها حريَّتها حتى تقتاتَ من الطيبات ما ينفعها ولا يضرُّها، فلم يترك - سبحانه - عملَ شهوتَي البطن والفرج دون قيدٍ أو ربط، وإنما أجاز للنفس الأكل من الطيبات دون حد الإسراف، وشرع منهجًا عمليًّا اجتماعيًّا لعمل شهوة الفرجِ، فأباح الزواج والتمتع بالزوجة في الطهر، وأباح التعدد وَفْقًا لضوابط معينة، بَيْدَ أن أصحاب النفوس المريضة تدنَّست أنفسُهم بمجاوزة الحد، فأقبلوا على المحرمات، وأدخلوا ضمن حظوظ أنفسهم ما نهى الشارعُ عنه، ولو أنهم التزموا الحد والصراط المستقيم الذي ألزمهم به الشرع لنالوا حظوظها بالقدر الذي شرعه الله - تعالى - فنالت بذلك ما يسعدها في الدارين، ولو أنها دُللت وأسرفت في المباحات لفسدت.