جاز فيها البيع والشراء لأجل الحاجة، ولا يجوز أيٌّ من ذلك حتى طوافِ الإفاضة وقضاء المناسك، فكان الحجُّ بهذه المثابة رحلةً تربوية للنفس البشرية تحملها على التزكية والتقوى، والتخلص من آثامها لتعيدها إلى يوم أن ولدت على فطرة الإسلام خالصة نقية، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( مَن حج هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ رجَع كيوم ولدته أمُّه ) ) [1] .
• الآية (10) قوله - تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 10] .
الدسُّ: إدخال الشيء من تحته [2] ، ودَسَا بمعنى نقص واتضع بأعمال الفجور، ودَسَا أيضًا استخفى خِزْيًا من فعل شيء [3] ، ومنه قوله - سبحانه: {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59] .
والمعنى المشار إليه في هذه الآية إقبال النفس على حظوظها من الشهوات دون ضابط من الشرع، وهو مقابل تزكية النفس بإشعارها بالغنى والقناعة بالإسلام، فالنفس لا تنال ما تشتهيه بما زاد عن حد الشرع إلا إذا خبُثَت وضعُفَت وتوارت، فلا يتفاخر الزاني ولا شارب الخمر بما يقع فيه من خيبة وخسران أمام عقلاء القوم، ولا يتباهى قاتل النفس بغير الحق بذلك إلا بين عصبته فحسب، فلا تزال نفسُه في خيبة كلما طلب معصية، ولا تزال نفسه تتوارى عن العقلاء والحكماء والراشدين كلما انتهى من معصية، وهو بين طلب المعصية والانتهاء منها في خذلان وخسران مبين.
ولنضرب على ذلك ثلاثة أمثلة؛ مثال عن قابيل وآخر عن أبناء يعقوب، وثالث عن السامري:
• ففي المثال الأول لم يقدر قابيل على قتل هابيل إلا بعد أن سهَّلت له نفسُه فعل ذلك في لحظة من الغضب والحقد والحسد، لمكانة أخيه هابيل عند الله - تعالى - بقبولِ الصدقة منه دونه، ولذلك عبَّر عما تُخفِيه نفسه من شرور بكلمة {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: 27] وأنفذها بفعل القتل نفسه، وكأنه قتل أخاه بتلك الكلمة قبل أن يقتله بإنفاذ فعله، قال - سبحانه: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30] ، فلما قتله لم يفرح بذلك وإنما أحس بالخزي والندم، {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] .
• وفي المثال الثاني لم يقدر أولاد نبي الله يعقوب - عليه السلام - على التآمر على أخيهم يوسف - عليه السلام - إلا بعد أن غرَّتهم أنفسُهم بأنهم سوف يَحْظَون بمكانة أكبر عند أبيهم، وأن مكانتهم التي يَحْظَون بها عند أبيهم منكرة، مقارنة بمكانة يوسف - عليه السلام - رغم أنهم عُصْبة، فأحسُّوا بالظلم من أبيهم واتَّهموه بالضلال لكونه يُفضِّل يوسف - عليه
(1) رواه البخاري ج 6 ص 346 رقم 1691.
(2) لسان العرب ج 6 ص 82.
(3) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 2 ص 219.