فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 21

فكانت المعضلة الصعبةُ أن يجمَعَ الإنسان بين جسدٍ يحيا بالشهوات، وفي ذات الوقت نفس تُزكَّى بالتقوى، فإذا التَقَم الإنسان الشهواتِ التقامًا أضرَّ بنفسِه، ولم تُزكَّ روحُه، وكان كالذي يَطغَى فيُسرِف في الماء الذي هو حياة الأبدان حتى يُلجِمُه الماءُ إلجامًا فيُهلِكه، وإنما على المرءِ أن يُربِّيَ نفسه بأن يأخُذَ من الشهوات ما يحيا به جسدُه دون القدر الذي يطغى به على قدر الاعتدال الذي سوَّاه الله - تعالى - عليه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه ) ) [1] .

والأمر بخلاف ذلك في شأنِ غذاء الرُّوح، فكلما ذكر المسلم ربه - تعالى - فإن قلبه ينجلي وتُزكَّى نفسه وترتقي إلى مقام العبودية، ذلك المقام الذي اختص الله - عز وجل - به الصالحين المُفلِحين من ذرية آدم، أولئك الذين علم الشيطانُ أنهم مُخلَصون، فاستثناهم من غوايته {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83] ، وقال - سبحانه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى {النازعات 41/ 40} ، فكان على كل إنسان التزام بتربية نفسه ونهيها عن إتباع الهوى حتى ينال جنة المأوى التي وعد الله بها عباده المخلصين.

• وقد اختلف العلماء في التفرقةِ بين النفس والروح:

فسُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - عن الفرق بين الروح والنفس؟ فقال:"الرُّوح هي النَّفْس، والنَّفْس هي الروح" [2] ، ويشهد لقولِه هذا قولُه - عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42] ، وقولُه - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قبض أرواحَكم حين شاء وردَّها عليكم حيث شاء ) ).

ويقول الإمام أبو حامد الغزَّالي - رحمه الله:

"النَّفْس لفظ مشترك بين معنيين:"

أحدهما: أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان، فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها.

والمعنى الثاني: هي اللطيفة التي هي الإنسان بالحقيقة، وهي نفس الإنسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها، فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سُمِّيت النفس المطمئنة، أو قد تسمى باللوامة متى قصرت عن طاعة ربها، أو الأمَّارة بالسوء متى ارتكبت ما نهى الله عنه" [3] ."

والنفس في القرآن على ثلاثة أنواع؛ فتكون إما مطمئنة، أو لوامة، أو أمارة بالسوء:

(1) رواه ابن ماجه في سننه ج 2 ص 1111، رقم 3349، وصححه الألباني.

(3) إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي ج 3 ص 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت