دلالات تربوية على سورة الشمس
النفس البشرية هي العدوُّ الثالث للإنسان، خلقها الله - تعالى - بطبيعةٍ لا يعلمُ كُنْهَها إلا هو، لكننا نعلَمُ أنها تحتاجُ لمعالجة دائمة، ومراوضة وتهذيب، وسورة الشمس تُظهِر بجلاءٍ حقيقةَ هذه النفس، وكيف أنها بحاجةٍ إلى تزكيةٍ، وأنها إذا لم تُزَكَّ فإنها تُدَسُّ، فتفعل ما لا يعقله رجل؛ حيث تعصي أمرَ ربِّها دون أن يدفعَها لهذه المعصيةِ شهوةٌ منكِّسة، أو وسوسة مُغرِية، أو غضبة عارمة، وإنما العناد لأجل العناد، بل قد تغلب النفس كبرياءَها فتعصي الله - تعالى - لا طمعًا في مال ولا رغبة في سلطان، وإنما المعصية لأجل المعصية، مثل مَن لم تُمكِّنه نفسه أن يُنفِّذ أمرًا بسيطًا بترك الناقة وشأنها وعدم مساسِها بسوء، فلم يدفعه لقتلها شيء غير هذه النفس الأمَّارة بالسوء.
ولذلك تُعالِجُ السورة هذه المسألةَ بشيء من إظهار قدرة الله - تعالى - في كونِه وسيطرتِه - سبحانه - عليه، ليعلم الإنسان أن أوامر الله - تعالى - الكونية نافذةٌ، وأوامره الشرعية واجبة، فعليه أن يستلهِمَ من دقَّة سيرِ وانتظامِ واطِّرادِ أوامرِ الله - تعالى - الكونية سببًا لتنفيذ أوامره التكليفية، فلا يعصي الله أبدًا، فإذا انحرَفَت طائفةٌ من البشر وسلكت مسلكَ العناد مع الله - تعالى - فسُنَّة الله الكونية هي الاستئصالُ والتطهير حتى يعود الكون إلى نسقه الذي أبدعه الله - تعالى - مرة أخرى.
• قوله - تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} [الشمس: 1 - 6] .
تُشِيرُ الآيات في إلماحةٍ سريعةٍ إلى مظاهرِ قدرة الله - تعالى - في كونه الذي خلقه فأبدعه ودبَّره وسيَّره، فيُقسِم المولى - سبحانه - بالشمسِ ويُشِير في قَسَمِه إلى وضاءَةِ ضوئها حال وقت الضحى، وهو وقتٌ تسطَعُ فيه أشعة الشمس بلا حرارة، فيستطيع كل كائن حي أن ينعَم بسطوعها دون أن يتأذَّى منها، فيسرح بخياله متسائلًا: مَن الذي خلق لنا هذه؟ وماذا لو لم تُشرِقِ الشمس كل يوم؟ وما الذي سوف يحدثُ في الكون عندئذٍ؟ ومَن الذي يجعلها تشرق في هذا الموعد من كل يوم جديد؟
ثم يتلوها في الوضوح ذلك القمرُ الذي يتجلَّى ظاهرًا بعد مغيب الشمس، في حركة كونية تثير التساؤل عن سر شروق الشمس ثم غروبها، وسبب مجيء القمر بعد غروبها لتراه العين بعد أن لم تكن تقدِرُ على رؤيتِه في وضح النهار، وهكذا يَلْفِتُ المولى - سبحانه - الانتباهَ إلى وضوح آياته الكونية التي لا تكذيب فيها ولا مِراء، الأمر الذي يوقع في القلب إعجابًا بهذه القدرة الربانية في تصريف الكون وتسييره على نسقٍ ثابتٍ لا يتبدَّل أو يتغيَّر.
والشمس والقمر أكبر ظواهر الكون تفاعلًا وحركةً، يشيرُ إلى سيطرة الله - تعالى - على الفعل والحركة؛ حيث تسير كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس كالإلكترونيات حول نواة الذَّرَّة، ويَسبَحُ القمرُ في مداره حول الأرض كذلك على ذات النسق، وهذه الحركة الديناميكية هي سرُّ بقاء الكائنات على الأرض.