فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 21

فالتضادُّ بين الشمس والقمر، وبين النهار والليل، وبين السماء والأرض، كل ذلك يُوضِّحُ ويُجلي المعنى على قدرة الله - تعالى - في تسيير هذا الكون، وأن أوامرَه الكونية نافذةٌ في خلقه، ليكونَ ذلك أدعى إلى نفاذِ أوامره الشرعية طواعيةً واختيارًا بين العباد، فكما أن الكون كله لا يستعصي عليه - سبحانه - فكان على ابن آدم أن يعتبر من ذلك، فلا يستعصي على أمر ربه - سبحانه - أو يعاند ويستكبر، ومن ثَمَّ فإن ذلك بمثابة ترهيب لابن آدم بطريق الإعجاز من مغبَّةِ الاستكبار والعناد في أمر الله - تعالى.

• قوله - تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10] .

الآية (7) قوله - تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} .

خلق الله - عز وجل - النفس البشرية، ولا يعرف كُنْهَها إلا الله - سبحانه - وهو أعلَمُ بمَن خلق، فسوَّاها على أحسن صورة، {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى: 2] ، وقد استَوَت في خلقتِها على هيئةٍ لا هي إلى الحيوان مطلقًا؛ حيث الحاجة للأكل والشرب والتكاثر بلا ضابط، ولا إلى الملائكة مطلقًا؛ حيث العبادة دون انقطاعٍ ولا فتور ولا معصية، وإنما جعَلها المولى - سبحانه - بين عالَمين؛ حيث متطلبات الدنيا وشواغل الآخرة، فتعيش في عالم الحيوان وما يتطلبه من تغذية جسديَّة كي تعيش، وعالَم الروح الذي يكون غذاؤه ذكرَ الله - تعالى، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، فكان الإنسان في ابتلاءٍ حين يُلبِّي حاجات الجسد فيهبِط إلى مدارك الحيوان، وبين أن يُلبِّي حاجات الروح فيرتقي إلى مصافِّ الذاكرين، فلا يستقيم له الجمعُ بينهما إلا بالاعتدالِ على نحو ما سوَّاه الله - تعالى - فعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمانَ وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداءِ، فرأى أم الدرداء متبذِّلة [1] ، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كُلْ، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل، فلمَّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نَمْ، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن فصَلِّ، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حق حقَّه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكَر ذلك له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( صدَق سلمان ) ) [2] .

(1) وكان ذلك قبل فرض الحجاب، والتبذُّل: ترك التزين والتهيئ بالهيئة الحسنة الجميلة؛ النهاية في غريب الأثر ج 1 ص 280؛ أي: لابسة ثياب البِذْلة - بكسر الموحدة وسكون الذال - وهي المهنة وزنًا ومعنى، والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة؛ تحفة الأحوذي ج 7 ص 80 - حاشية السندي على صحيح البخاري ج 1 ص 261.

(2) رواه البخاري ج 7 ص 76، رقم 1832.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت