فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 21

رَحِيمٌ [يوسف: 53] ، فامرأةُ العزيز تحوَّلت نفسُها من النفس الأمارة بالسوء حال قولها: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] إلى النَّفْس اللوَّامة حال قولِها {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} .

• الآية (8) قوله - تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] .

أودع الله - تعالى - في النفس الإنسانية ما تُدرِك به فضائل الأخلاق ورذائلها، فالنفس الإنسانية منذ تسويتِها وتكوينها أُلهِمت فطرتَها بمعرفة طريق الخير، وطريق الشر [1] ، وهذا هو ما يجعلُ الإنسان يفطُنُ أن يُبصِر طريقه فلا يضلَّ، يقول - سبحانه: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14، 15] ، فليس له أن يعتذر إلى ربِّه بعد أن ألهمه الله - تعالى - فعلَّمه وجعله قادرًا على أن يميز بين الأمرين، فهو يهتدي إلى معرفة الفرق بينهما كما يهتدي الرضيع إلى ثدي أمِّه دون حاجة لتعليم.

والإلهام حقٌّ وهو وحي باطن، وإنما حُرِمه العاصي لاستيلاءِ وحي الشيطان عليه [2] , فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحدَّثون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه عمر ) )، وزاد زكرياء بن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لقد كان فيمَن كان قبلكم من بني إسرائيلَ رجالٌ يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ فعمر ) )، قال ابن عباس - رضي الله عنهما:"من نبيٍّ ولا مُحدَّثٍ" [3] .

والخاطر قد يكون من الله، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون من النفس، وكل شيء احتمل ألا يكون حقًّا لم يوصف بأنه حق [4] ، وعلى ذلك فإن ضابط التفرقةِ بين الفجور والتقوى النفس ما لم يُعدَمِ الحياء، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فافعَلْ ما شئتَ ) ) [5] .

فإذا كانت النفس مطمئنةً أو لوَّامةً، فإنه تقدِرُ على أن تسكن للخير، وترتاب من الشر؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( البِرُّ ما سكنت إليه النفس واطمأنَّ إليه القلب والإثم ما لم تسكُنْ إليه النَّفْس ولم يطمئنَّ إليه القلب وإن أفتاك المُفتون ) ) [6] ، قال ابن حجر:"فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى" [7] .

(1) د / جمال محمد الزكي - صيدلي: إنما بُعِثْتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق ج 1 ص 19.

(2) فيصل بن سعيد بن محمد الصاعدي: الأحاديث الواردة في الصحيحين في الجن والشياطين ج 1 ص 60.

(3) رواه البخاري ج 12 ص 22 رقم 3413.

(4) فيصل بن سعيد بن محمد الصاعدي: الأحاديث الواردة في الصحيحين في الجن والشياطين ج 1 ص 60.

(5) رواه أبو داود ج 12 ص 418 رقم 4164، وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 400 رقم 3993.

(6) رواه أحمد في مسنده ج 4 ص 194 رقم 17777، وصححه الألباني: الجامع الصغير وزيادته ج 1 ص 520 رقم 5192؛ صحيح الجامع الصغير ج 12 ص 139 رقم 5192.

(7) ابن حجر: فتح الباري ج 12 ص 388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت