النوع الأول: النفس المطمئنة: يقول المولى - سبحانه: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30] ، وهي نفس صادقة لا تحب الكذب، وتدَعُ كل ما يَرِيبُها إلى ما تطمئن إليه ولا يَرِيبُها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة ) ) [1] .
وهذه النفس لا تسكن أو تطمئن إلا إذا عاشت في ذكر الله ومعيَّته - سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، ولذلك كان من شروط صحة الصلاة وأركانها الطمأنينة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلَّى فسلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فردَّ وقال: (( ارجِعْ فصلِّ فإنك لم تُصلِّ ) )، فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ارجِعْ فصلِّ فإنك لم تُصلِّ ) )ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غيره فعلِّمني، فقال: (( إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفَعْ حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها ) ) [2] .
النوع الثاني: النفس اللوامة: وهي التي تلومُ صاحبها كلما وقعت في معصية، يقول - سبحانه: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] .
يقول الغزَّالي:"تلومُ صاحبها على ما تستهدف له من الأحوال الذميمة، لا عن تصميم عزم وتخمين رأى وقصد، وهذه أيضًا رتبة عالية، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلَّما ينفكُّ عنه، وإنما غاية سعيِه أن يغلب خيرُه شرَّه حتى يثقلَ ميزانُه فترجح كِفَّة الحسنات" [3] .
ويقول ابن تيمية:"النفس اللوامة وهي التي تُذنِبُ وتتوب، فعنها خيرٌ وشرٌّ، لكن إذا فعلتِ الشرَّ تابت وأنابت، فتُسمَّى لوَّامة؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولأنها تتلوم؛ أي: تتردد بين الخير والشر" [4] .
والنوع الثالث: النفس الأمَّارة بالسوء: ومثال ذلك نفس امرأةِ العزيز التي راوَدت نبي الله يوسفَ - عليه السلام - عن نفسِه، لكنه استعصم بالله - تعالى - فصرف اللهُ عنه السوء والفحشاء، يقول المولى - سبحانه - حاكيًا كيف كانتِ امرأةُ العزيز تلومُ نفسها: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ
(1) رواه الترمذي ج 9 ص 58 رقم 2442، وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 569 رقم 5690.
(2) رواه البخاري ج 3 ص 205 رقم 715.
(3) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين ج 4 ص 44.
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج 9 ص 294.