وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: 103] ، فالزكاة تعلِّم المسلم أن يعمل ويكسب ويجتهد، لا لأجل نفسه فحسب، ولا لأجل أهله وعشيرته كذلك، وإنما لأجل الناس أجمعين، فكلما اكتسب مالًا أنفقه في سبيل الله - تعالى - وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يتسابقون في ذلك.
كما أنه ليس من أخلاق الإسلام أن يعيش في مَعْزِلٍ عن جيرانه ومجتمعه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ليس المؤمن الذي يشبَعُ وجارُه جائعٌ ) ) [1] ، فإذا فقُه المسلم وظيفةَ المال ودوره المجتمعي، آثر غيرَه على نفسه، مصداقًا لقوله - سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] ، وهذا كان خُلُق الصحابة - رضوان الله عليهم - رغم حاجتهم للمال، فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعطِيني العطاء فأقول: أعطِه مَن هو أفقر إليه مني، فقال: (( خُذْه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرفٍ ولا سائل فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعه نفسك ) ) [2] .
فإذا علِمت النفسُ ذلك وفهمت وظيفة المال، زهدت فيه ولم تأخذه إلا بحقه، فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: (( يا حكيمُ، إن هذا المال خَضِرٌ حلو، فمَن أخذه بسخاوة نفس بُورِك له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى ) )، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدَك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر - رضي الله عنه - يدعو حكيمًا ليُعطِيه العطاء، فيأبَى أن يقبَل منه شيئًا، ثم إن عمر - رضي الله عنه - دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين، أُشهِدكم على حكيم أني أعرِضُ عليه حقَّه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تُوفِّي [3] .
الوسيلة الخامسة: الانقطاعُ عن الدنيا بين الحين والآخر إما معتكفًا أو معتمرًا أو حاجًّا، وأقلها مرة في العمر، فالنفوس تتسابقُ على طلب الدنيا، فإذا ما نالت بعضًا من حظوظٍ سعَت لإدراك حظوظٍ أكبر وأكثر، وهو ما كان يُحذِّر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( فواللهِ، لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسِطت على مَن كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتُهلِكُكم كما أهلكتهم ) ) [4] .
لذا شُرِع الحجُّ لأجل ترك الديار والأموال والضَّيعات والزوجات والأولاد، لقصد بيت الله - تعالى - الحرام، في عبادة تنسُّكية يُحظَرُ فيها الجماع، أو التجمل بالطِّيب، أو قص الأظافر أو الشعر، أو عقد النكاح أو الخِطبة أو الصيد ... إلخ، وإنما
(1) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 52 رقم 112، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحةج 1 ص 278 رقم 149.
(2) رواه البخاري ج 5 ص 323 رقم 1380.
(3) رواه البخاري ج 5 ص 321 رقم 1379.
(4) رواه البخاري ج 10 ص 413 رقم 3924.