(( لم يفقَهْ مَن قرأ القرآنَ في أقل من ثلاثٍ ) ) [1] ، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: لقد عِشْنا برهةً من دهرِنا، وإن أحدثَنا يُؤتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فيتعلَّم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلَّمون أنتم القرآن، ثم قال: لقد رأيت رجالًا يُؤتَى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدَّقَل [2] ، وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: (( إن قوما يقرؤونَه ينثرونه نثرَ الدَّقَل لا يجاوز تراقيَهم ) ) [3] .
الوسيلة الثالثة: غضُّ الطرف عن زهرةِ الحياة الدنيا، ما لم تكن في نصيب العبد من قسم رزقه، والقصد في الفرح بإصابة الخيرات، والتخلُّق بالصبر في تناول الحلال، والتأدُّب في تناول الطيبات بأدب عدم الإسراف، والتحلي بالزهد في التشهي بالملذَّات، وجِماعُ ذلك كله التحكُّم في شهوتَي البطن والفرج، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن ضمِن لي ما بين لِحْيَيه ورِجْليه ضمنت له الجنة ) ) [4] .
ولذلك شرع الإسلام الصيام لتحقيق هذه الأهداف، فعلَّمنا كيف نُربِّي أنفسنا بوسيلة أساسية تتمثَّل في تزكيتِها بحرمانِها من المباحات حتى تعدلَ عن المحرَّمات، فالصيام يعني امتناعَ المرء عن الطعام والشراب وجِماع الزوجة، وهي كلُّها أمور مباحة، فبالصيام عن هذه المباحات - طوعًا واختيارًا - يزيد في النفس التقوى من الله - تعالى - يقول - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، فقوله - تعالى: {لَعَلَّكُمْ} يُفِيد أن غاية الصوم التقوى؛ ذلك أن النفس إذا ما تدرَّبت على الصبر على الحلال، فإنها تكون أصبر على المحرَّمات، ولا يكون ذلك إلا بالدُّرْبة، ولذلك فرض الصيام شهرًا كاملًا، وندب أسبوعيًّا لتجديد الصبر والتصبُّر في النفس، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( مَن استطاع الباءةَ فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ ) ) [5] .
الوسيلة الرابعة: تتمثَّل في فقهِ المال والتموُّل، فهو ليس بمعزلٍ عن فقه الإنسانية وحقوق المجتمع، وهو ما يُلخِّصه قولُ الله - تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
(1) رواه النسائي ج 5 ص 25 رقم 8067، ورواه أبي داود ج 4 ص 166 رقم 1186، بلفظ: (( لا يفقه ... ) )، وابن ماجه ج 4 ص 247 رقم 1337، وصححه الألباني: صحيح ابن ماجه ج 1 ص 225 رقم 1107، وصحيح وضعيف سنن أبي داود ج 3 ص 390، رقم 1390.
(2) رواه الحاكم: المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 91 رقم 101، وصححه الذهبي في التلخيص.
(3) رواه الترمذي ج 2 ص 479 رقم 547، وصححه الألباني: صحيح الترمذي ج 2 ص 102، وصحيح أبي داود 1262.
(4) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج 4 ص 235 رقم 4915، وصححه الألباني بهذا اللفظ في سلسلة الأحاديث الضعيفة ج 5 ص 121 في شرح الحديث رقم 2103، وصحَّحه بلفظ: (( اضمنوا لى ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدَّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدُّوا إذا ائتُمِنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديَكم ) )؛ السلسلة الصحيحة ج 4 ص 44 رقم 1470.
(5) رواه البخاري ج 2 ص 673 رقم 1806.