عن كثرة العَرَضِ ولكن الغنى غنى النفس )) [1] ، فإذا أراد الله بعبد خيرًا جعَل غناه في نفسِه وتُقَاه في قلبِه، وإذا أراد الله بعبد شرًّا جعل فقره بين عينيه [2] .
والله - تعالى - إذا أراد بعبدٍ خيرًا شرَح صدره للإسلام، يقول - سبحانه: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125] ، فبالإسلام ينشرحُ الصدر وتطمئن النفس، ويغتني العبدُ، ويستعيض بإسلامه عن كل عَرَض زائل، وهذه هي أنجعُ وسائل تربية النفس وتهذيبها بانشراحها لدين ربها، والسرور بأوامره، والابتهاج لأحكامه، والإذعان لشرائعه.
ويُلخِّص ذلك كله النطق بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فكلما تأمَّل العبد في هذه الكلمة ازداد غنًى، ومن ثَمَّ تهذَّبت نفسه، يقول - سبحانه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] ، ويَحُول الاستكبار دون فهمِ معناها والتأمُّل في مغزاها والتخلُّق بأخلاقها، يقول - سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35] ، ولذلك يقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخلُ الجنةَ مَن كان في قلبِه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر ) ) [3] .
والخلاص من ذلك يكونُ بالدعاء والاستعانة بالله - تعالى - عليها، فقد كان مَن هو أتقى الناسِ يدعو الله - تعالى - فيقول - صلى الله عليه وسلم: (( اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ مَن زكَّاها أنت وليُّها ومولاها ) ) [4] .
الوسيلة الثانية: الطمأنينة في العبادة، فيحضر القلب مع الفعل، لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء في صلاته: (( ارجِعْ فصلِّ فإنك لم تصَلِّ ) )، فما زال يراجعه حتى ذكر له شرط الاطمئنان في كل حركة من حركات الصلاة، كما يُعلِّمنا القرآن كيف نُزكِّي أنفسنا بتلاوة القرآن والصلاة وذكر الله، يقول المولى - سبحانه وتعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] ، وشرط التزكية في هذه العبادات الطمأنينة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم:
(1) رواه البخاري ج 20 ص 79 رقم 5965.
(2) رواه الترمذي مرفوعًا ج 9 ص 5 رقم 2389، وحسنه الألباني لغيره ج 2 ص 633 رقم 949، لوجود شاهد له بلفظ: (( مَن كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره وجعل فقرَه بين عينيه ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كتب له، ومَن كانت الآخرة نيَّته جمع الله له أمرَه وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ) )، وقال: صحيح.
(3) رواه مسلم ج 1 ص 247 رقم 131.
(4) رواه مسلم ج 13 ص 251 رقم 3899.