فشرب الخمر وعقَرها، فاجتمع عليه شيطانانِ أحدهما من الإنس وهم قومه، ولذلك عمَّهم العذاب لأجل هذا الاشتراك، والشريك بالتحريض يعاقبُ بذات عقوبةِ الفاعل الأصلي متى وقعت النتيجةُ الإجرامية بهذا التحريض، وهو ما يسميه علماء القانون الوضعي بالشريك المساهم في الجريمة؛ حيث إن التحريض على ارتكاب الجريمة يُسهِمُ في تحقيقِ النتيجة الإجرامية، ومن ثَمَّ وجب معاقبة الفاعل الأصلي والفاعل الشريك ولو بالتحريض، وهو مبدأ إسلامي؛ حيث يشتركان في الإثم لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن أعان ظالما بباطلٍ ليُدحِضَ بباطله حقًّا فقد برئ من ذمة الله - عز وجل - وذمة رسوله ) ) [1] ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع ) ) [2] .
وهو ما يُؤكِّد المبدأ الإسلامي المتعارَف عليه بأن (مَن أعان على قتلِ مؤمنٍ بشطر كلمةٍ لقي اللهَ - عز وجل - مكتوب بين عينيه آيسٌ من رحمة الله) ، ويمكن تعميم المبدأ على كل مَن ساهم في سفك دم معصوم، أو سفكه بنفسه، فقد ساوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما سواء من قتل الناقة ومَن قتل الإمام عليًّا - رضي الله عنه - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب: (( ألا أُحدِّثُكما بأشقى الناس؟ ) )، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( أُحَيْمَرُ ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليُّ على هذه - ووضع يده على قرنه - حتى يبل منها هذه وأخذ بلحيته ) ) [3] .
وعلة الاشتراك في الشقاوةِ أن مَن أراد ذبح الناقة أراد أن يطمس الآية التي جعلها الله - تعالى - في هذه الناقة تمامًا مثل الذي يريد أن يطمس ضوء الشمس أو نور القمر أو أن يغير حركتهما، أو كالذي يتجاهل آيتَي الليل والنهار أو آيتَي السماء والأرض، وأنَّى له ذلك، قال - تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، وكذلك مَن أراد قتلَ الإمام علي - رضي الله عنه - فقد أراد أن يطمسَ كلَّ مَعْلَمٍ لهذا الدين، ظنًّا منه أنه بقتلِه للإمام عليٍّ استطاع أن يُنهِيَ الخلافة الراشدة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام، ولكنه لا يعلم أن العاقبة للمتقين، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( تكون النبوَّةُ فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 11 ص 215 رقم 11564، ورواه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 112 رقم 7052 , وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 3 ص 94 رقم 1020، وقال: فيه حنش الرحبي، وله متابعان عن عكرمة؛ الأول: إبراهيم بن أبي عبلة وهو ثقة من رجال الشيخين، والآخر: خصيف وهو صدوق سيِّئ الحفظ، خلط بآخره، فالحديث حسن بهذه المتابعات.
(2) رواه ابن ماجه ج 7 ص 112 رقم 2311، وصححه الألباني: صحيح ابن ماجه ج 2 ص 35 رقم 1878.
(3) رواه النسائي ج 5 ص 153 رقم 8538، وصححه الألباني: صحيح وضعيف الجامع الصغير ج 10 ص 301 رقم 4354.
وإنما قال: (( أحيمر ) )؛ لأنه أحمر أشقر أزرق دميم، (( والذي ) )؛ أي: وعبدالرحمن بن ملجم - قبَّحه الله - الذي (( يضربك يا علي ) )بن أبي طالب بالسيف، (( على هذه ) )يعني هامته، (( حتى تبتلَّ ) )منها بالدم (( هذه ) )؛ أي: لحيته، فكان كذلك؛ انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج 1 ص 801.