الصفحة 15 من 27

أنواع الولاء والطاعة، ويقدمون لهم كل صنوف الذل والتبعية، وعاشوا لهم ومعهم كل أشكال العبودية والرق الدونية في القديم والحديث، وحاربوا متحدين، وعادوا مجتمعين، الإسلام وأهله، والإيمان وصحبه، بأموال وأفكار من ينتسبون إليه، ويحسبون عليه - قبل الأعداء وللأسف - ولكن لله في ذلك الحكمة البالغة، والعلة الباهرة - بمخططات يطول شرحها، ودراسات يصعب حصرها، وأموال تعجز اليد عن عدها، والعقل عن تصورها، ولم يزل تفاقم الأمر في ازدياد، حتى بلغ السيل الزبى، وكادت أن تذهب الإسلام أيادي سبا ..

ووالله الذي لا إله حق غيره، ولا يحلف إلا به، لولا أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله - عز وجل - له، ومنصور بنصر الله - عز وجل - له، وموعود بالظهور والسيطرة، والتمكين والغلبة - ونحن - ولله الحمد - على يقين من ذلك - لطمست معالمه، وانتهت مراسمه، من كل صدر وكتاب، وعلى كل أرض وتراب، ولناحة عليه النوائح، وشق له الثوب، ولطم عليه الخد، ولاسيما مع خذلان أهله له، وتشاغلهم وانصرافهم عنه.

ولست والله أعجب من تكالب أهل الباطل على نشر باطلهم، ومعاونة ومساندة أهل النفاق لهم في ذلك، فتلك سنة كونية قديمة وتتجدد. ومعالمها - للمتأمل والناظر - في نصوص الوحيين مكشوفة ظاهرة، لأهل الألباب ولمن كانت لهم عينان، ولكن عجبي لا يكاد ينقضي من تخاذل أهل الحق عن حقهم، بل وتباعدهم عنه وتنافرهم منه، تنافر القوم عن المجذوم، فاصبحوا!! كما قال الحبيب:"كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة" [1] .

ويصدق عليهم قول أبي القاسم الشابي:

إني أرى فأرى جموعا جمة = لكنها تحيا بلا ألباب

يدوي حواليها الزمان كأنما = يدوي حوالي جندل وتراب

وإذا استجابوا للزمان تناكروا = وتراشقوا بالشوك والإحصاب

وقضوا على روح الأخوة بينهم = جهلًا وعاشوا عيشة الأغراب

(1) رواه البخاري رقم: (6133) ، ومسلم رقم: (2547) ، وأحمد (2/ 7) ، والترمذي رقم: (2872) ، وابن ماجه رقم: (3990) ، من حديث ابن عمر. قال بعض العلماء:"كذا الناس لا تجد فيهم من يحمل الأمانة من العلم والعرفان الا واحدًا بعد واحد، وهذا في أوان النبي - صلى الله عليه وآله و سلم - والا فلا تجد في ألف ألف على هذا المثال!!". شرح سنن ابن ماجه (1/ 288) للسيوطي وآخرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت