الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنّ علم الحديث يعد من أعظم ما أنتجه الفكر الإسلامي في أصالته وتشعب علومه وفنونه، وقد كان لهذا العلم أثر كبير، وبصمات واضحة جلية في تطور غيره من العلوم الشرعية والإنسانية، ومن هذه العلوم التي أثّر فيها وتأثر بها أيضًا:
علم التاريخ، بحيث يمكننا القول: إنّ العلاقة بين علم الحديث وعلم التاريخ تعد من أشد العلاقات بين العلوم، وأكثرها التصاقًا وتناغمًا.
وتظهر هذه العلاقة واضحة جلية في كثير من مباحث علوم الحديث التي لها ارتباط كبير بعلم التاريخ كالوقوف على المعاصرة واللقاء بين الرواة، وطبقاتهم، ومعرفة مواليدهم ووفياتهم، ومقادير أعمارهم، كما نلحظ ذلك الارتباط من خلال علم الجرح والتعديل، وناسخ الحديث ومنسوخه، والتمييز بين مَن حدّث عن الراوي المختلط قبل اختلاطه، أو بعده، والكشف عمن عُرِف بالكذب من رواة الأحاديث، وفي ذلك يقول الإمام سفيان الثوري - رحمه الله تعالى:
"لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ"
ويقول الامام حفص بن غياث:
"إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين"
ومن هنا فقد أوجب المحدّثون على طالب الحديث تقديم الاهتمام بالتاريخ، ومعرفة وفيات الرواة لآنه من أهم فنون الحديث وعلومه.
وفي المقابل فإنّ علم التاريخ قد أفاد من علوم الحديث وتأثر بها، وتتجلى مظاهر هذا التأثر في استعمال الاسانيد في نقل الاخبار وتوثيق الأحداث، واستعمال مناهج المحدثين وطرقهم في معرفة درجة الآثار التي ترد في التاريخ، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها.
ولاظهار هذه العلاقة بين العلمين، وبيان التأثر والتأثير، يأتي هذا البحث الذي عنونت له بعنوان: