الصفحة 17 من 25

المبحث الخامس

أثر التاريخ في الكشف عن كذب الرواة

عندما ينظر المحدّث في حديث الرجل يستحضر زمانه وعمره من مولده إلى وفاته، وبلده، ورحلاته والبلدان التي دخلها، ومن لقيه بها من الشيوخ والأقران وأخبار شيوخه وأقرانه وتواريخهم ورحلاتهم، وكثيرا ما يكتشف المحدّث كذب الراوي باعتبار ذلك. وهذا ما قصده الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى في قوله"لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ" [1]

فللتاريخ أثر كبير في الكشف عمن عُرِف بالكذب من رواة الأحاديث، وكان أداة المحدثين في فضح الكذابين، وبيان افتراءتهم، ومن هنا يقول الامام حفص بن غياث - رحمه الله تعالى:

"إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنّين - بفتح النون المشددة-"تثنية سن وهو العمر يريد: احسبوا سنه، وسن من كتب عنه. [2]

ومن الأمثلة التي افتضح فيها الكذابون قول أبي الوليد الطيالسي:"كتبت عن عامر بن أبي عامر الخزامي، فقال يومًا: حدثنا عطاء بن أبي رباح، فقلت له: في كم سمعت من عطاء؟ قال: في سنة أربع وعشرين ومائة. قلت: فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة." [3]

ومن الأمثلة أيضًا:

ما حدث في عام 447 هـ عندما أظهر بعض اليهود كتابًا، وزعموا أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة بعض الصحابة -رضي الله عنه- فلما رفع الكتاب إلى وزير الخليفة القائم العباسي أحاله على المؤرخ الحافظ الحجة أبي بكر الخطيب البغدادي، فتأمله ثم قال: هذا مزوّر. فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح سنة 8 هـ، وفتح خيبر كان سنة 7 هـ، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات يوم بني قريظة سنة 5 هـ قبل فتح خيبر بسنتين. [4]

وهكذا تمكن الخطيب البغدادي بفضل استعانته بالمعلومات التاريخية الثابتة من اكتشاف تزوير نص هذه الوثيقة، واعتمد الوزير ما قاله المؤرخ، ولم يجز اليهود على ما في كتابهم.

ولذلك أوجب المحدّثون على طالب الحديث تقديم الاهتمام بالتاريخ، ومعرفة وفيات الرواة لآنه من أهم فنون الحديث وعلومه.

(1) - فتح المغيث: 3/ 311.

(2) - فتح المغيث: 3/ 311.

(3) - ميزان الاعتدال: 2/ 360.

(4) - أنظر الاعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت