الفطرة: سبق وتحدثنا عنها: وهي قاعدة راسخة للانطلاق، ووسيلة مرنة للتغيير.
أما المعرفة فهي الطريق إلى العلم فإذا لم أعرف ما أقول بدأت الطريق نحو الضياع، وتبدأ المعرفة منذ الطفولة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ، ماذا نقرأ قال تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان بالعلق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان مالم يعلم}
هذه الآيات هي أهم دعوة إلى اكتساب العلم وأهم وسائل العلم القراءة، لماذا القراءة وماذا نقرأ؟ ظاهر الآيات تقول [1] : اقرأ يا محمد حين عرض جبريل -عليه السلام- على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أما أصل القراءة هي اقرأ بسم ربك الخالق لهذا الإنسان الذي أنشأه بالتدرج شيئًا فشيئًا، وتعهّده حالًا فحالًا، وطورًا فطورًا، بحسب فطرته واستعداداته، فهو الذي تعهده بالتغذية والتنمية والإرشاد والإصلاح والتقويم، والحفظ والدعاية والتأديب، والتهذيب والتعليم، ويشمل أيضًا الإمداد المستمر بما يحتاج إليه لبقائه وسلامته.
فهل قرأت يا أيها الإنسان صفة الرحمن الخالق ربّ السموات والأرض وربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم وربّ المشرق والمغرب وربّ الفلق وربّ الناس وربّ البيت؟.
هل تعرفت أيها الإنسان سبب وجودك في هذه الحياة، هل قرأت أن الله -جل جلاله- هيّأ لك الكون لكي تحقق معنى الابتلاء بوجود عالم الغيب والشهادة. هل عرفت أيها الإنسان أن الله هيأ لك المدارك المحدودة ليظهر إيمان العبد بالغيب وتوحيده لله في أسمائه وصفاته؟ هل قرأت اسم الله الربّ لكي تؤمن به إيمان اليقين؟ فالربّ سبحانه هو المتكفل بخلق الموجودات وإنشائها والقائم على هدايتها وإصلاحها، وهو الذي نظّم معيشتها ودبّر أمرها. قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ... } [الأعراف: 54]
فالرب سبحانه هو المتكفل بالخلائق أجمعين إيجادًا وإمدادًا ورعاية وقيامًا على كل نفس بما كسبت، قال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ
(1) - الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة، معارج التفكر ودقائق التدبر، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1420 هـ / 2000 م، المجلد الأول، ص 44 - 47 بتصرف.