الصفحة 29 من 36

فالسلطان كلّه في الوجود كلّه له وحده لا شريك له، هو الذي خلق فسوّى، وأخرج من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وأمدّ بالقُوى، ومكّن، وسخرّ، ثمّ هو يأذن إذا شاء أو لا يأذن.

فهو عزّ وجلّ- الذي يجب أن لا يستعيذ المستعيذون إلاّ به، وأن لا يدعو الدّاعون إلاّ إيّاه.

وأمّا المستعاذ منه: فهو كلّ شرّ أو ضرّ أو أذى عاجل أو آجل، من كل ما خلق الله، ومن غضب الله وسخطه وعقابه، وعذّابه، التي تجلُبُها معاصي العباد، ومن بلائه الذي قد تقضي به مقاديره، ممّا هو من المكاره، وأذن الله بأن نسأله العافية منه.

والمخلوقات التي يمكن أن تجلب للإنسان الشّرّ أو ما يكره من ضرّ أو أذى منبثّة في كل ما خلق الله من أنواع وأصناف، بدأ من نفس الإنسان الأمارة له بالسّوء بين جنبيه، إلى شهواته الجامحة، وأهوائه الجانحة، وقواه الطاغية، ثمّ إلى شيطانه الذي يجري منه مجرى الدم، فإلى سائر شياطين الإنس والجنّ، وسائر ما خلق الله من ظاهر مشهود، أو خفيّ محجوب.

ومن لوازم تحقيق حكمة الابتلاء أن تؤثر أعمال بعض المخلوقات في بعض، فيكون من نتائج هذه التأثيرات نفع وخير من بعض ذوي الإرادات الحرّة لغيرهم، أو ضرر وأذىّ وشرّ منهم لغيرهم.

ومن تأثيرات بعضهم على بعض، أعمال إغواء وإغراء ووسوسة وتسويل، حتى يفعل المستجيبون بإرادتهم شرًّا أو ضرًّا أو أذىّ، أو يحدثوا إفسادًا في الأرض، مع خضوع كل نتائج أعمالهم لسلطان التمكين القدريّ العام، والتسخير للمسخّرات في الكون، ومع الإذن من الخالق جلّ جلاله- بتحقيقها للابتلاء.

وممّا قد يكون له آثار ذوات شرّ وضرّ، وهو يتحرك في الكون بقوانين الله القدرية الجبرية، ما هو داخل في ذات الإنسان، كنفسه الأمّارة بالسّوء، وكبعض دوافعه وغرائزه التي قد تنمو في ذات نفسه، فتحرّض قدرات إرادته على فعل الإثم والشّرّ، وقد يدفعها بقوّة، كشدّة انفعال الغضب الذي يفسد ميزان العقل، ويضعف مقاومة الإرادة، ويضعف مقاومة الإرادة، وكشدة انفعال العشق أو البغض أو الحقد، أو شدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت