الصفحة 28 من 36

أما كيفية تحصين هذه النفس التي بين جنبينا ضد الشيطان أمرنا الله -عزّ وجلّ-: بالاستعاذة [1] ، وهي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من كل ذي شر، بأن نستعيذ من شر ما خلق وبرأ.

لقد أمرنا الله عزّ وجلّ- بأن نستعيذ به من شر ما خلق وبرأ وذرأ في كونه، لأن الاستعاذة به من شرّ ما خلق مظهر من مظاهر الإيمان الصادق. وسلوك نابع من القاعده الإيمانية.

فالمؤمن بالله الذي له ملكوت السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، إذا حَذِرَ أو خاف من شر شيء أو من ضره أو أذاه، لم يتعذ في دعائه الموجّه للغيب بإنس، ولا جن، ولا ملك، ولا حيوان، ولا جماد، ولا روح نبيّ أو رسول أو وليّ أو صالح من صلحاء المسلمين.

إنما يستعيذ بالله -عز وجلّ- وحده لا شريك له، فهو ربّ الفلق، وهو ربّ الناس، وملك الناس، وإله الناس، وهو رب كل شيء من دونه، وملك كل شيء ومليكه، والمستحق وحده لأن يعبد، والاستعاذة بالغيبيات لون من ألوان العبادة.

وفي الاستعاذة بالله -عزّ وجلّ- تمكين للقاعدة الإيمانية، وتثبيت عمليّ للاعتقاد بأنّه لا ربّ في الوجود كلّه إلا الله، ولا إله في الوجود كلّه يستحق الإلهيّة إلاّ الله، ولا منجي من كلّ المكاره سواه، مع ما في الاستعاذة بالله -عزّ وجل- من عبادة هي من أعمق العبادات وأخلصها، فالاستعاذة من الدّعاء. والدعاء عبادة.

أمّا المستعيذ: فإنّما يلجئه إلى الاستعاذة بغيره شعوره بضعفه وعجزه عن دفع أو رفع شر أو ضرّ أو أذىّ يخشاه، أو قد مسّه منه شيء.

ومعلوم أنّ الخلق كلّهم ضعفاء تجاه كثير ممّا خلق الله في كونه، وهم فقراء إلى الله -جلّ جلاله- دون استثناء.

وأمّا المستعاذ به: فالقاعدة الإيمانيّة المستقرّة في قلب المؤمن تتضمّن أنّ الخلق جميعهم ضعفاء، لا يملكون لغيرهم ولا لأنفسهم جلب نفع ولا دفع ضرّ. إلا بتمكين من الله وتسخير للأشياء، وإذن قدري منه.

(1) ) الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة، معارج التفكر ودقائق التدبر، المجلد الثاني، ص 61 - 63 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت