ولو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة، لسلب الناس إراداتهم الحرة، ولجعلهم مجبورين على الإيمان والإسلام، ولكانوا بذلك أمة واحدة ربانية خاضعة في حركاتها وسكناتها لسلطان قدر الله الجبري.
ولكن هذا يفوّت حكمة الابتلاء، الذي هو في الأساس الغاية من خلق الناس مزوّدين بالصفات التي هم عليها.
فالله عزّ وجلّ لم يجعل الناس أمة واحدة بالقهر والجبر، لأن حكمته قد قضت بأن يمتحنهم فيما آتاهم من إرادات حرة، وإدراك للأمور. وعقل، وشهوات، وغرائز وأهواء، وقدرة على الطاعة والمعصية، وفعل الخير وفعل الشر، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًاَ.
فقوله تعالى: {ولكن ليبلوكم في ما آتَاكُمْ} أي: ولكن لم يشأ أن يسلبكم إرادتكم الحرة، ويجعلكم أمة ربانية واحدة، ليبلوكم في ما آتاكم من صفات ميزكم بها على المخلوقات المجبورة التي لا اختيار لها.
{فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة:48]
وفي هذا بيان المطلوب في الامتحان، وهو فعل الخيرات والاستباق إليها، ليظهر من هو أحسن عملًا، فيجازيهم الله يوم الدين، بحسب سبقهم أو تقصيراتهم جزاء الفضل، وليظهر المسيؤون والكافرون الجاحدون، فيعاقبهم الله يوم الدين على سيئاتهم وكفرهم وجحودهم عقاب العدل.
فالمرجع إلى الله هو للحساب وفصل القضاء والجزاء، أما الإخبار بما كان الناس فيه يختلفون إلى شرائع ومناهج، فيكون بكشف الحقيقة التي لا يغشيها يومئذ هوىً، ولا وساوس شياطين، ولا ضلالات مضلين، ولا زخرف أقوال المغوين المفسدين.
ويومئذ يظهر للجميع أن الحق الذي لا ريب فيه هو شرعة الله ومنهاجه، اللّذان أوحى بهما إلى رسله، وأما شرائع الناس ومناهجهم المخالفة له، والمتخالفة فيما بينها، فهي بواطل وزيوف.
ويومئذ تحق كلمة الرحمة والتكريم لمن آمن بالله، وبما أنزل الله على رسله، واستقى من شرعته الطاهرة النقية لعباده، وسلك المنهاج الواضح البين الهادي إلى السعادة العظمى، والذي اصطفاه الله لهم.