وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: 51 - 54]
فأعداء النفس من الخارج والداخل ولا يمكن لهذا الإنسان الدفاع عن نفسه إلا بمعرفة العدو، ولقد تعرفنا سابقًا على القلب والنفس والعقل والحواس، والسبب في انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم.
تعرفنا فيما سبق على كيد العدو إبليس حين شطن عن رحمة الله فأصبح ملعونًا مرجومًا، وعلمنا أنّ الشيطان في حياة الإنسان لا يعدو أنه مخلوق باستطاعته أن يوسوس في صدر الإنسان بالشرّ، ويزيّن له ارتكاب الخطيئة، ثمَّ إنّ الإنسان هو الذي يرتكب الخطيئة بإرادته الحرة، ويعتبر مسؤولًا عنها مسؤولية تامة.
وتحققنا من النصوص القرآنية أن الشيطان ليس له سلطان على حياة الإنسان ولا إرادته، إلا من سلّم قيادة نفسه له وتبعه مختارًا لنفسه طريق الغواية، فوجوده في حياة الإنسان اقتضته حكمة التوازن بين طرفي الخير والشر في امتحان إرادة الإنسان.
وقد بينّا الآيات في قوله تعالى: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:62] ، أي: لأقودنهم من أحناكم إلى الغي، ولأستوليَنَّ عليهم لإغوائهم، فقال الله له كما جاء في سورة الإسراء: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65]
وجاء أيضًا في سورة الحجر {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 40 - 42]
وعلمنا أيضًا أنّ وظيفة الشيطان في حياة الإنسان أنها الوسوسة في صدره، ويشعر الإنسان بهذه الوسوسة في صورة خواطر تزيّن له الإثم والمعصية.
وتعرفنا إلى القلب وحديث النفس، وأن الخواطر تدبّ في القلب، وأن منطقة حديث النفس كائنة في قلب كل إنسان، وأن الركن الأول من منطقة حديث النفس النازعان وهما اثنان؛ الأول ويسمى نازع الخير وفطرة الإنسان، ومبعث التقوى والإيمان، والثاني: يسمى نازع الشر والهوى وهو مبعث الفجور والعصيان في الإنسان. والله -عزّ وجلّ- ابتلى الإنسان بإيجاد نازعين في النفس أحدهما للفجور والآخر للتقوى، وأن الله -عزّ وجلّ- ألهمه التقوى والتوبة والاستغفار، أما إلهام الشر فهو من الشيطان وهو النفس الأمارة بالسوء. فحين تتملّك