الصفحة 24 من 29

قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) } . [1]

نلاحظ أن دلالة منطوق هذه الآية الكريمة هي الأصل. أما المحرم فهو المستثنى، لذلك جاء معدودًا، فدل ذلك على أن الأصل إباحتها بدليل العقل الظاهر لا قطعًا، وأنه حجة يجب العمل به حتى يتبين بالدليل الشرعي خلاف ذلك.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) } . [2]

لقد أنكر سبحانه وتعالى تحريم الزينة، والطيبات المنتفع بها، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم، وإلا لم يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة. [3]

قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة: ( .... هذه الآية تقتضي حل كل المنافع إذ أن كل واقعة تقع لا تخلو من أن يكون النفع فيها خالصًا أو راجحًا، أو الضرر يكون خالصًا أو راجحًا، أو يتساوى الضرر والنفع أو يرتفعا. أما القسمان الأخيران، وهو أن يتعادل الضرر والنفع أو لم يوجدا قط، ففي هاتين الصورتين يجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصًا وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية. وإن كان النفع راجحًا، والضرر مرجوحًا يقابل المثل بالمثل، ويبقى القدر الزائد نفعًا خالصًا. فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصًا، وإن كان الضرر خالصًا كان تركه خالص النفع، فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان الضرر راجحًا بقي القدر الزائد ضررًا خالصًا، فكان تركه نفعًا خالصًا، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة، ثم إن وجدنا نصًا خالصًا في الواقعة قضينا في النفع بالحل، وفي الضرر بالحرمة، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام الني لا نهاية لها داخلا تحت النص. [4]

(1) - سورة الأنعام، الآية 145.

(2) - سورة الأعراف، الآية 32.

(3) - انظر نهاية السول للإسنوي، ج 4/ 454.إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الصول، محمد بن علي الشوكاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط 1، 1356 هـ، ص 285.

(4) - التفسير الكبير للرازي، ج 4/ 63 - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت