ومن موجبات رحمة الله عز وجل وكرمه وحكمته أنه علّم الإنسان ما لم يعلم، فإن أول ما أنزل الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .
فذكر أنه الأكرم وهو أبلغ من الكريم وهو المحسن غاية الإحسان، ومن كرمه أنه علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم فعلمه العلوم بقلبه والتعبير عنها بلسانه) [1] .
وينتقل ابن تيمية من شسرح هذه الآيات وتفسيرها إلى أستخلاص أنها أيضًا حجة على من أنكر قدرة الله تعالى، فإن من رأى العلقة قطعة من دم فقيل له هذه العلقة يصير منها إنسان يعلم العلوم بأنواعها لكان يتعجب من هذا غاية العجب وينكره أعظم الإنكار ومعلوم أن نقل الإنسان من كونه علقة إلى أن يصير إنسانًا عالمًا قادرًا كاتبًا أعظم من جعل مثل هذا الإنسان يعلم ما أمر الله به وما أخبر به، أي بعبارة أخرى فإذا كان الله تعالى علمه هذه العلوم (فكيف يمتنع عليه أن يعلمه ما يأمره به وما يخبره به) ؟ ولهذا أرسل إلى بني آدم الرسل فمن موجبات حكمته عز وجل إرسال الرسل من جنس البشر وبلسانهم (فهو أتم في الحكمة والرحمة، وذكر سبحانه أنهم لا يمكنهم الأخذ عن الملَك وأنه لو نزل ملك لكان يجعله في صورة بشر ليأخذوا عنه، ولهذا لم يكن البشر يرون الملائكة إلا في صورة الآدميين كما كان جبريل يأتي في صورة دحية الكلبي) [2] .
وششطرد ابن تيمية في شرح الأدلة، وهي الآيات والبراهين التي يحتوي عليها القرآن الكريم ليعلمنا أنها أدلة عقلية بصورة لا تقبل الشك، وتوصل إلى البرهان مباشرة بلا
(1) النبوات ص 163.
(2) نفسه ص 164.