وكان الصحابة هم الحلقة بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين الأجيال بعدهم، وهم قد استوفوا شروط العلم والعمل من عدة وجوه:
أحدها: قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فإنه لابد أن يكون راغبًا في فهمه وتصور معانيه، فكيف من قرأ كتاب الله تعالى المنزل إليهم الذي به هداهم الله وبه عرفهم الحق والباطل والخير والشر والهدى والضلال والرشاد والغي؟ كذلك كانت رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات وكانت رغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعرفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعرفهم حروفه.
الثاني: أن الله تعالى قد حضهم على تدبره وتعقله واتباعه في غير موضع كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] وقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره، علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين على تدبره، فكيف لا يكون ذلك للمؤمنين؟ وهذا يتبين أن معانيه كانت معروفه بينة لهم.
الثالث: أنه قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] فبين أنه أنزله عربيًا لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.
الرابع: أنه ذم من لا يفقهه فقال تعالى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به.