وفي هذا نظر ظاهر؛ فإن القرطبي وابن جزي من المالكية أدخلا الوجه في حد النمص، وابن العربي يقول:"النامصة هي ناتفة الشعر تتحسن به" [1] .
والذي يظهر لي أنهم خلطوا بين الحكم والتعريف، ولعلهم اغتروا بما في الفواكه الدواني [2] ؛ حيث جاء فيه:"التنميص: هو نتف شعر الحاجب حتى يصير دقيقًا حسنًا، ولكن رُوِيَ عن عائشة - رضي الله عنها - جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه، وهو الموافق لما مرَّ، من أن المعتمد جواز حلق جميع شعر المرأة، ما عدا شعر رأسها، وعليه؛ فيحمل ما في الحديث على المرأة المنهية عن استعمال ما هو زينة لها، كالمتوفَّى عنها، والمفقود زوجها". اهـ.
ففي كلامه أن النمص هو:"نتف شعر الحاجب".
ولكن إذا تأمل الإنسان باقي كلامه، تبين له أن نتف شعر الوجه داخل في حد النمص لقوله:"جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه".
كما يفيد هذا النقل أن المعتمد عند المالكية هو جواز حلق جميع الشعر، وليس دخول أو خروج شعر الوجه عن حد النمص، والله أعلم.
الثاني: ذكر النووي في"المجموع" [3] أن النمص: أخذ شعر الحاجب، وهذا يخالف ما في شرح مسلم له [4] ، ويخالف ما في شروح وحواشي المنهاج، والمذهب الاصطلاحي هو ما في المنهاج وشروحه.
دليل القول الأول:
أن النمص جاء تحريمه في السُّنَّة، ولم يأت عنه - صلى الله عليه وسلم - حَدٌّ لهذا النمص المحرَّم، فوجب أن نرجع في تحديد مدلوله إلى اللغة، وتقدم أن النمص في لغة العرب يشمل الوجه عند جميع أهل اللغة - الذين وقفْتُ على كلامهم - إلا صاحب"المحكم"كما سبق [5] .
وإذا كان النمص في لغة العرب إزالة الشعر من الوجه، فإن تخصيصه بالجبين فقط تحكُّمٌ بلا دليل، وتخصيص بلا مخَصِّص، ومعلوم أن قصر الدليل على بعض مدلوله بلا حجة لا يجوز.
(1) أحكام القرآن 1/ 501.
(4) 14/ 106، ط. دار إحياء التراث العربي.
(5) ص: 8، 10.