بين ظهراني المشركين في مكة، مستندين في ذلك إلى هذا الذي لم يكن يعرفه مما تسمونه"فقه الأقليات"؟
وإذا كان مجرد وجود المسلمين في دار الكفر مصدرًا لضرورة تبرِّرُ ابتداع فقه جديد يناسب حال تلك الدار ومن فيها، فمن هم الذي عناهم الله تعالى بقوله:"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا" [النساء: 4] .
لقد كنا نستبشر بأن تزايد المسلمين في الغرب مع التزامهم بالإسلام وانضباطهم بأحكامه، يبعث على ذوبان الحضارة الغربية الجانحة في تيار الحضارة الإسلامية.
ولكنا اليوم، وفي ظل الدعوة الملحة إلى ما يسمى بـ"فقه الأقليات"نعلم أننا مهددون بنقيض ما كنا نستبشر به، إننا مهددون بذوبان الوجود الإسلامي في تيار الحضارة الغربية الجانحة، بضمانة من هذا الفقه.
ألا فليتق الله أئمة هذه الدعوة التي لا عهد لنا بها قبل اليوم، وليعلموا أن ثمرتها تحقيق ما يراد بالإسلام اليوم، من تحويله إلى إسلامات إقليمية متنوعة، وإن لنا في المجامع الفقهية الكثيرة في عالمنا العربي والإسلامي ما يغني عن ابتداع مرجعيات خاصة، متخصصة بهذا الفقه الإسلامي الجديد الذي لا عهد للشريعة الإسلامية به. [1]
ويعني هذا أن محمد سعيد رمضان البوطي - رحمه الله- يدعو إلى فقه عالمي وكوني بامتياز، يكون مرجعا لكافة العالمين. وفي الوقت نفسه، يعترف هذا الفقه العام بالضرورات التي تستلزمها الأقليات في الدول الغربية أو دار الغربة أو المهجر. لذا، فلاداعي لفقه الأقليات إطلاقا، مادامت هناك مرونة الإسلام ويسره وسماحته ورخصه الكثيرة وضروراته المتنوعة. أما ابتداع فقه الأقليات بهذا الاسم، فالغرض منه هو تجزيء الدين الإسلامي إلى فقهيات وإسلاميات متعددة.
(1) - انظر: موقع الدكتور البوطي على الإنترنت: