ونقدي، يدفع باتجاه استحداث أنساق متعاقبة، تلبي احتياجات التفكير الطبيعية التي ستبحث دائمًا عن النمو والتفرع. ولم يعرف الغرب هذه الحالة، وهو ما أشرنا إليه في مناسبة سابقة؛ فكانت نشأة الأدب المقارن عندهم طبيعية، ونتيجة مُنتظرة لمقدمات صاغها المجال الفكري الغربي.
(أريد للأدب المقارن أن يوضع في منهج الجامعات) 12؛ لأن مطلب مواكبه المعروض المعرفي الغربي كان ضاغطًا، ولأن وعي النخب العربية في بدايات القرن العشرين كان منصرفًا إلى النموذج الغربي، وكل ما يصدر عن هذا النموذج واجب التبني والاستحضار. ويدرك المؤرخون للنهضة العربية الحديثة، أن سلوك الذهاب في أثر النموذج الثقافي والحضاري الغربي كان وسيلة الأمة الوحيدة لمعالجة الفجوة التاريخية التي تفصلها عن الأمم الأخرى. ولم يكن علم الأدب المقارن بدعًا في ذلك؛ فدخل هذا العلم المؤسسة الجامعية العربية، كما دخلت علوم أخرى هذه المؤسسة (دون استعداد أو وقوف على حقيقته) 13؛ وقد أنتج غياب الاستعداد هذا دراسات تريد لنفسها أن تكون مقارنة، ولكنها لم تكن تترجم عن إدراك حقيقي لطبيعة هذا العلم ونظريته، وعندما تخضع هذه الدراسات لمقارنة مع أصول هذا العلم، تظهر المساحة الشاسعة التي تفصلها عن هذه الأصول. وأمام هذا الواقع، ينشأ انطباع نفسي لدى جزء من المشتغلين بهذا العلم، يقوم إما على عدم جدواه، أو على عدم إمكانية التخصص فيه 14. لا ريب أنه من الموضوعية القول إن توصيف الدكتور محمد غنيمي هلال ينصرف إلى مرحلة محددة من تاريخ هذا العلم في البيئة الفكرية العربية، وهي المرحلة الأولى: العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين؛ حيث أفضى غياب المتخصصين الفعليين فيه إلى سيادة دراسات تفتقر، حقيقة، لوعي متماسك بأفكار هذا العلم الأساسية. وإذا كنا نتضامن مع فكرة الدكتور هلال حول أن ظهور الأدب المقارن، عربيًا، لم يعبر عن استجابة طبيعة لما هو متاح من حركة فكرية ومعرفية؛ وبما أن الأمر كذلك، لم تتحقق للمتصدين للمقارنة الأدبية المعرفة الداخلية في إطار البيئة الثقافية العربية، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا مع تسيير البعثات الدراسية إلى الجامعات الغربية للتخصص في الأدب المقارن، ومع عودة هؤلاء الموفدين تأسست البدايات الحقيقية له، مع إقرارنا بأن المشتغلين على الأدب المقارن من العرب، ظلوا أوفياء إلى اليوم، لمبدأ إعادة إنتاج الرؤى والمناهج الغربية، ولم تتجاوز إضافتهم الجانب التطبيقي، القائم على عقد مقارنات بين نصوص أو ظواهر أدبية، أحد أطرافها يعود إلى الأدب أو الثقافة العربية الإسلامية.