بل إننا نسجل أن الدكتور هلال قد أظهر قناعة بصواب المنهج التاريخي؛ انطلاقًا من نظرته القائمة على العلاقة بين أدب قومي وآخر، وأن التأثير متبادل بين هذه الآداب، دون أن يرتهن لمشاعر التبعية الأدبية، كما يصفها الدكتور عز الدين المناصرة.
ونشير في هذا السياق أيضًا إلى أن الدكتور سعيد علوش قد اعتمد، في تعليقه على إسهام الدكتور هلال، على مستجدات الأدب المقارن المتأخرة، ولا سيّما ما تعلق منها بمناهج المقارنة الأدبية، والتي جاءت، كما أسلفنا، متأخرة زمنيًا عن مرحلة تكوين الدكتور هلال، وأن الدكتور علوش جعل من المناهج المتأخرة مسوغًا لمساءلة جهد الدكتور هلال، في حين أنه نفسه كان ناقلًا لهذه المناهج، غير مشارك في صياغة مقولاتها، سواء تعلق الأمر بالمنهج النقدي، أو بالمادي الجدلي. وقد جاءت هذه المناهج استجابة لتطور المعرفة عمومًا، وتطور المعرفة الأدبية على وجه الخصوص؛ الأمر الذي هيأ للدفع بهذه المناهج، إذ أسهمت أبحاث النقد الجديد، والاتجاه النقدي الشكلي في الدفع باتجاه البحث في العلاقات بين الآداب من خلال الأبنية النصية، وقد كان للنظرية الماركسية، والماركسية البنيوية عند جولدمان، دور المساعد في تشكيل الرؤية المادية في الأدب المقارن. وقد مثّل كل ذلك تطورًا تعاقبيًا لاحقًا، لم ينتجه المجال الثقافي والفكري العربي، وإنما قد جرت استعارته من بيئاته الأصلية، وأن المقارنين العرب المتأخرين، لم يكن لهم من فضل إلا فضل استدعاء هذه المناهج، وتوظيفها في كتاباتهم النظرية، ونادرًا التطبيقية.
ونعود بالكلمة، حول البدايات والتأسيس للأدب المقارن عربيًا، إلى الدكتور محمد غنيمي هلال، الذي نقرأ له في كتابه (الأدب المقارن) نصًا دالًا يُظهر طبيعة المشهد الذي ظهر في إطاره الأدب المقارن: (إذا تتبعنا محاولات نشأة الأدب المقارن عندنا في الربع الثاني من هذا القرن وجدنا أن نشأته لم تكن نتيجة لحركة فكرية واتجاهات فلسفية، ومنحى علمي، ومنهج نقدي عميق، ودعوات نظرية يؤمن أصحابها أن هذا العلم ضرورة ملحة لا غناء عنها، ولا محيد عن الاستجابة إليها، كما كان شأنه لدى كتّاب الغرب وفلاسفتهم ومفكريهم) 11.
هذا واقع بدايات الأدب المقارن، كما يظهره رائده عربيًا، وهو توصيف ينطق بفكرة مركزية واحدة، وهي: أن الأدب المقارن لم ينشأ تراكميًا في البيئة الثقافية والفكرية العربية، ولم يُسبق بنقاش حضاري شامل يُفضي إلى تبلوره، وتشكل ملامحه؛ استجابة لهذا النقاش، ولم يتطور تطورًا طبيعيًا في إطار حاضن معرفي عام، يوفّر له أسباب هذا التطور؛ من نشاط فلسفي